كتب م / رمضان بهيج
غفران المحب…. بكاء القلب والروح
يقولون إننا “نغفر ما دمنا نحب”، ولكنهم لا يتحدثون عن تلك الندوب التي يتركها الغفران في زوايا القلب. الحب ليس مجرد شعور دافئ، إنه أحياناً تلك القوة الخفية التي تجبرنا على التجاوز، حتى عندما تصرخ كرامتنا طلباً للوقوف.
بكاء القلب
عندما نغفر لمن نحب، لا يعني ذلك أن الألم قد تلاشى. بكاء القلب هو أصعب أنواع البكاء؛ لأنه بلا دموع، وبلا صوت. هو غصة تسكن الحنجرة كلما تذكرنا الجرح، لكننا نبتلعها بابتسامة باهتة فقط لأن وجه من نحب أغلى علينا من وجعنا.
حين تئن الروح
بينما ينشغل العالم بمظاهر التسامح، تنزوي الروح في ركنها المظلم، تعاتب نفسها على “ليونة” مفرطة. إننا نغفر لأننا لا نتخيل الحياة بدونهم، نغفر لأن “بقاءهم” أهم من “انتصارنا” في الخصام. ولكن، حذارِ من ذلك الغفران الذي يأتي على حساب تآكل الروح، فالحب الذي يستنزف كرامة القلب قد ينتهي يوماً بصمت مطبق، لا عتاب فيه ولا رجوع.
نحن نغفر لأن الحب أكبر من الخطأ، لكننا نتألم لأن جرح الأحباب لا يشفى بكلمة “آسف” وحدها، بل يحتاج لترميم ما بكى في أعماقنا.
بين ذلّ الحب وعزّة الروح
قيل إن المحبَّ يملكُ مخزوناً لا ينتهي من الأعذار، فنحن نغفر لا لأن الخطأ كان بسيطاً، بل لأننا لا نتحمل مرارة الفقد. ولكن، أين تذهب تلك الدموع التي جفت في الروح قبل أن تصل إلى العين؟
الغفران.. جسرٌ من الوجع:
المغفرة لمن نحب هي تضحية صامتة؛ فنحن نقتطع من كبريائنا لنمنحهم فرصة أخرى. ولكن حين تبكي الروح، فهي تخبرنا بأن الحد قد تم تجاوزه، وأن الحب الذي كان ينبغي أن يكون “سكناً”، أصبح “عبئاً” يثقل كاهل القلب.
موازنة الحب مع الكرامة:
الحب الحقيقي لا يكسر الروح، بل يجبر كسرها. إذا أصبح الغفران عادةً، والخطأ أسلوب حياة، هنا ينضج القلب ليدرك أن “عزة النفس” هي السور الذي يحمي ما تبقى منا. إننا نغفر لأننا نحب، نعم.. ولكننا نرحل أيضاً لأننا نحب “أنفسنا” ونحترم بكاء أرواحنا الذي لم يسمعه أحد.
حين يجفّ منبع الأعذار:
أصعب أنواع البكاء هو ذلك الذي يحدث والقلب يبتسم لمن خانه أو خذله. إن الروح لا تملّ من الحب، لكنها تملّ من الخذلان. وعندما يتساوى الغفران مع الألم، تبدأ الروح بالانسحاب بصمت، ليس كرهاً، بل بحثاً عن سلامٍ افتقدته في رحاب ذلك الحب.
“نغفرُ.. ليس لأننا ننسى، بل لأننا نخاف أن ننتهي من داخلهم..
لكن الروح التي تبكي وهي تسامح، هي روحٌ تودعُ بصمت،
فاحذروا من قلبٍ يسامح كثيراً، فإنه حين يتوقف، لا يعود حتى لو غمرتموه ببحارٍ من الندم.”
”حين تتآكل الروح من الداخل، ينتهي العمر.”
نحن نغفر ما دمنا بنحب
263
المقالة السابقة
