بقلم : أحمد رشدي
لا تُقاس قوة الأوطان بكثرة قراراتها، بل بجودة ما يُتخذ منها في اللحظة الفاصلة. فالقرار ليس فعلًا عابرًا، ولا ردّ فعلٍ لحظي ، بل حصيلة تراكم طويل من الوعي، والتجربة، والتربية، وما ترسّخ في النفس من قيم ومعايير.
ومن قرارٍ فردي صغير داخل أسرة أو مكان عمل، قد تتشكل ملامح مستقبلٍ أوسع ينعكس على المجتمع بأسره.
آلية اتخاذ القرار تبدأ من الداخل، من قدرة الإنسان على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين المصلحة الآنية والعاقبة البعيدة.
هذا التمييز لا يولد فجأة، بل يُصاغ منذ الطفولة الأولى، حين يتعلم الإنسان كيف يفكر قبل أن يختار، وكيف يتحمل نتائج اختياره دون أن يلقي اللوم على غيره.
هنا يظهر الدور الحاسم للأسرة، بوصفها المدرسة الأولى التي تزرع معنى المسؤولية، وتعلّم أن القرار ليس حقًا مطلقًا، بل أمانة لها ثمن.
التعليم الجيد يأتي ليكمل هذا البناء، لا بما يقدمه من معلومات فحسب، بل بما يغرسه من منهج تفكير. فالتعليم الذي يُنمّي العقل النقدي، ويعلّم التحليل والمقارنة، ويشجع على السؤال، يصنع إنسانًا قادرًا على اتخاذ قرارات رشيدة. أما التعليم القائم على التلقين، فإنه يخرّج أفرادًا يكررون ما يُقال لهم، ويتخذون قراراتهم وفق ما اعتادوه لا وفق ما فهموه.
ولا يمكن إغفال أثر البيئة المحيطة في تشكيل القرار. فالمجتمع الذي يكرّم الاجتهاد، ويحاسب على الخطأ، ويكافئ النزاهة، يدفع أفراده تلقائيًا نحو قرارات تخدم الصالح العام. على العكس، فإن البيئة التي تتسامح مع الفساد، وتبرر الإهمال، وتكافئ الواسطة، تُربك بوصلة القرار، وتجعل الخطأ خيارًا سهلًا، بل أحيانًا مقبولًا.
في العمل، يظهر أثر القرار بوضوح أكبر.

قرار بالإتقان أو الإهمال، بالصدق أو التهاون، بالمسؤولية أو اللامبالاة. هذه القرارات اليومية الصغيرة هي التي تبني مؤسسات قوية أو تهدمها من الداخل.
وحين يتكرر القرار الخاطئ، لا تتأذى المؤسسة وحدها، بل ينعكس ذلك على المجتمع كله، في صورة خدمات ضعيفة، أو منتجات رديئة، أو ثقة مفقودة.
أما على مستوى الوطن، فإن القرار الرشيد يصبح مسألة مصير. القرار الذي يراعي المصلحة العامة، ويوازن بين الحاضر والمستقبل، ويحترم الإنسان، هو قرار يصنع استقرارًا وتقدمًا. ولا يمكن لمثل هذا القرار أن يولد في فراغ، بل يحتاج إلى قيادات واعية، ومجتمع مدرك، وثقافة عامة تُقدّر قيمة التفكير قبل الاختيار.
إن اتخاذ القرار الصحيح ليس موهبة نادرة، بل مهارة تُكتسب، وثقافة تُبنى، وسلوك يُمارس. يتأثر بالأسرة التي تُربّي، وبالتعليم الذي يُنير، وبالبيئة التي تُحفّز أو تُعيق.
وكلما اجتمعت هذه العوامل في اتجاه واحد، زادت فرص القرار الرشيد، وقلّ هامش الخطأ.
في النهاية، القرار ليس لحظة اختيار فحسب، بل انعكاس لمن نكون.
وحين نُحسن بناء الإنسان، نُحسن تلقائيًا بناء قراراته، وحين تستقيم قرارات الأفراد، يستقيم مسار الأسرة، ويتماسك المجتمع، ويقوى الوطن.
