بقلم د.نادي شلقامي
في عالم الطب، تُكتب بعض الأسماء بحروف من ذهب، ويُحفر بعضها في ذاكرة الإنسانية. بين هؤلاء يقف السير مجدي حبيب يعقوب، ليس مجرد جراح قلب مصري، بل ظاهرة علمية وإنسانية فريدة، رفعت اسم مصر عالياً في أرقى المؤسسات الطبية العالمية. من قرية صغيرة في محافظة الشرقية إلى قمة المجد في بريطانيا والعالم، سطر يعقوب سيرة ذاتية هي مزيج من العبقرية العلمية والتواضع الإنساني النادر. هذا التقرير يرصد رحلة هذا العملاق، من ميلاده إلى إنجازاته التي غيرت تاريخ جراحات القلب، وصولاً إلى إرثه الإنساني الخالد.
— رحلة من البيئة المصرية إلى القمة العالمية
أولا….البدايات والتكوين (1935 – 1962)
— وُلد مجدي حبيب يعقوب في 16 نوفمبر 1935 في بلبيس بالشرقية، لعائلة قبطية أرثوذكسية. كان والده طبيباً عاماً، وهو ما أثر في توجهه المبكر نحو الطب.
— تلقى تعليمه الأساسي في مدارس القاهرة، والتحق بكلية الطب جامعة القاهرة (قصر العيني)، حيث تخرج عام 1957.
— برز نبوغه المبكر، ليلتحق بعد تخرجه بقسم جراحة الصدر في المستشفى الجامعي. كانت مصر في تلك الفترة تشهد نهضة علمية طبية، وكان يعقوب واحداً من نجومها الصاعدين.
ثانيا….الانطلاق نحو العالمية (1962 – 1980)
— في عام 1962، سافر يعقوب إلى بريطانيا لاستكمال دراساته، وهو القرار الذي شكل منعطفاً مصيرياً. عمل في مستشفيات لندن، وتميز بسرعة خيالية، حتى أصبح أصغر أستاذ لجراحة القلب في بريطانيا عام 1968.
— في السبعينيات، قاد فريقاً طبياً في مستشفى هارفيلد بلندن، وبدأ في تركيز أبحاثه على جراحات نقل القلب، وهي من أعقد الجراحات حينذاك.
ثالثا…عصر الإنجازات الأسطورية (1980 – 2000)
يشهد هذا العصر أبرز إنجازات يعقوب:
— 1980: أجرى أول عملية نقل قلب في مستشفى هارفيلد.
— 1983: أجرى أول عملية نقل قلب ورئة لمريض بريطاني.
— 1986: وصلت شهرته إلى ذروتها عندما أجرى عملية نقل قلب للمريض الإنجليزي ديريك موريس، الذي عاش بعد العملية 33 عاماً، ليصبح أطول مريض منقول قلب يعيش في العالم آنذاك.
— في التسعينيات، تخصص في جراحات نقل القلب للأطفال وحديثي الولادة، وطور تقنيات جراحية لعلاج أمراض القلب الخلقية المعقدة.
— أسس مركز هارفيلد لأبحاث القلب، الذي أصبح مزاراً لطلاب العلم من كل أنحاء العالم.
رابعا….التميز الأكاديمي والقيادي
— شغل يعقوب منصب أستاذ جراحة القلب في المعهد القومي للقلب والرئة التام لكلية إمبريال كوليدج لندن.
— نشر أكثر من ألف بحث علمي، وساهم في تدريب جيلين من جراحي القلب العالميين.
— تحت قيادته، أصبح مستشفى هارفيلد واحداً من أكبر مراكز نقل القلب في العالم، حيث أجرى هو وفريقه ما يزيد عن 20 ألف عملية قلب مفتوح، و2500 عملية نقل قلب.
خامسا….التكريم والمكانة العالمية
— حصل على لقب “سير” من الملكة إليزابيث الثانية عام 1991، وهو أعلى تكريم في المملكة المتحدة. — — كما حصل على وسام الاستحقاق البريطاني (وهو وسام محدود النخبة)، والعشرات من الدرجات الفخرية والجوائز الدولية المرموقة، منها جائزة فخر بريطانيا.
— في مصر، مُنح قلادة النيل العظمى، واختير شخصية العام من قبل مجلات ومؤسسات عديدة.
سادسا…الجانب الإنساني والتواصل مع الوطن
رغم نجاحه العالمي، حافظ يعقوب على ارتباط وثيق بمصر:
— أسس مؤسسة مجدي يعقوب لأبحاث القلب في مصر عام 2008، والتي تهدف إلى تقديم رعاية مجانية لمرضى القلب، وبناء قدرات الأطباء المصريين.
— أسس مركز أسوان للقلب (بالتعاون مع الحكومة المصرية)، ليكون مركزاً عالمياً متكاملاً لعلاج أمراض القلب بالمجان لأبناء مصر وأفريقيا.
— يزور مصر بانتظام للإشراف على العمليات الجراحية المعقدة، وتدريب الأطباء الشباب، مؤمناً بأن “العلم الذي تعلمته يجب أن يعود إلى أرضي وشعبي”.
— شخصيته المتواضعة وحبه للبسطاء جعلته أيقونة شعبية في مصر، حيث يُلقب بـ “ملك القلوب” و”الجراح المعجزة”.
سابعا….مرحلة ما بعد التقاعد النشط (2001 – حتى الآن)
بعد تقاعده من منصبه كرئيس لقسم جراحة القلب في هارفيلد عام 2001، لم يتوقف يعقوب عن العطاء. واصل الإشراف على العمليات المعقدة، والتدريس، والبحث العلمي. ركز جهوده على تطوير القلب الميكانيكي والعلاج بالخلايا الجذعية لأمراض القلب، أملاً في إيجاد بديل عملي لنقل القلب التقليدي. كما كرس وقتاً أكبر لمشروعه الإنساني في أسوان.
وختاما….السير مجدي يعقوب… إرث لا ينضب
— هو أكثر من جراح عبقري؛ هو قصة إصرار، وتفانٍ، وانتصار للإرادة الإنسانية. لقد أثبت أن ابن القرية المصرية يمكن أن يصل إلى قمة العالم، ليس بالعلم فقط، بل بالإنسانية التي جعلت قلبه كبيراً كقلوب الذين أنقذهم.
— إرث يعقوب لا يقاس فقط بالأرقام القياسية في غرف العمليات، بل بعدد القلوب التي شفاها، والأرواح التي منحها فرصة ثانية، والأطباء الذين علمهم، والأمل الذي زرعه في نفوس الملايين. لقد حوّل صعوبة جراحات القلب إلى تحدٍ يقهره بالإبداع، وحوّل شهرته العالمية إلى جسر للعطاء في وطنه الأم.
— يقول هو نفسه: “أكبر إنجاز في حياتي هو أنني لم أتخلَّ عن حلمي”. والسير مجدي يعقوب، بعلمه وتواضعه وحبه، سيظل قلباً نابضاً في ذاكرة الطب والإنسانية، ورمزاً خالداً للعطاء المصري الذي يشرق في كل مكان.
