د.نادي شلقامي
— دبلوماسية “ساعة الصفر”
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، حيث تتسارع الأمواج العاتية وتعاد صياغة التحالفات، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاطفة إلى دولة الإمارات لتكسر جمود البروتوكولات وتضع العالم أمام حقيقة واحدة: “القاهرة وأبوظبي هما قلب العروبة النابض وعصب أمنها القومي”. لم يكن استقبال الشيخ محمد بن زايد للرئيس السيسي عند سلم الطائرة مجرد تعبير عن كرم الضيافة، بل كان إعلاناً سيادياً للعالم بأن مسافة السكة بين العاصمتين قد تلاشت، وأن التنسيق بين القيادتين قد بلغ مرحلة “الغرفة الواحدة” التي لا تحتمل التأجيل أو المواربة، في زيارة لم تقاس بميقات الساعات، بل بحجم القرارات التي هزت أركان المتربصين باستقرار المنطقة.
أولاً….مغزي الزيارة وتوقيتها
جاءت الزيارة في ظل توترات إقليمية مستمرة تشمل ملفات غزة، السودان، اليمن، أمن البحر الأحمر، والتوترات في القرن الأفريقي. يمكن تلخيص أبرز أبعادها في النقاط التالية بناءً على البيانات الرسمية:
— تعزيز التشاور والتنسيق السياسي حول التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
— مناقشة سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، في إطار الشراكة الاستراتيجية القائمة (بما في ذلك استكمال آثار صفقات سابقة مثل رأس الحكمة).
— تأكيد الدعم المتبادل في المحافل الدولية.
ثانياً: ما تحقق خلال الزيارة (حسب الإعلانات الرسمية)
— عقد لقاء ثنائي وغداء عمل بين الرئيسين.
— جولة مشتركة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، اطلع خلالها الرئيس السيسي على برامجها وابتكاراتها.
— توافق معلن على أهمية تعزيز العلاقات الأخوية وتكثيف التنسيق في المجالات الاقتصادية والتنموية.
— تأكيد على ضرورة التضامن العربي في مواجهة التحديات الإقليمية.
ثالثاً…الملفات التي لم تشهد تقدماً علنياً فورياً
بعض القضايا المعقدة التي غالباً ما تُثار في مثل هذه اللقاءات لم تُعلن عن نتائج ملموسة جديدة خلال الزيارة القصيرة، ومنها:
— الجهود الرامية للتوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام في غزة (مرتبطة بأطراف متعددة دولية وإقليمية).
— تسريع التكامل الاقتصادي الشامل (إزالة عقبات جمركية أو بيروقراطية)، والذي يتطلب وقتاً وإجراءات تنفيذية.
— ملف سد النهضة، الذي يظل يحتاج إلى تنسيق أوسع على المستوى الدولي والأفريقي.
رابعاً…..ردود الفعل الإعلامية
— الإعلام الرسمي المصري والإماراتي ركز على الطابع الأخوي والتشاوري للزيارة.
— وسائل إعلام عربية أخرى (مثل الجزيرة) وصفتها بأنها خطوة لتعزيز “التشاور والتنسيق”.
— التغطية الدولية (رويترز، أحياناً نيويورك تايمز أو جيروزاليم بوست) أشارت إلى أهمية التوقيت في سياق التوترات الإقليمية، مع اهتمام ملحوظ من بعض الأوساط الإسرائيلية بتأثير التنسيق المصري-الإماراتي على ملفات مثل غزة والبحر الأحمر.
وختاما…فإن الساعات القليلة التي قضاها الرئيس السيسي في الإمارات لم تكن رحلة عابرة، بل كانت “زلزالاً ديبلوماسياً” صامتاً ستحصد المنطقة نتائجه في القريب العاجل. فعودة الرئيس السيسي إلى القاهرة قبل أن يجف حبر التوقيعات أو تنتهي أصداء الترحيب، هي أكبر دليل على أن التحالف بين البلدين قد تجاوز مرحلة الأقوال إلى مرحلة “المهام الجراحية” الناجزة. لقد أراد القائدان إرسال برقية عاجلة لكل من يهمه الأمر: “أن أمن الخليج من أمن مصر، وأمن مصر خط أحمر لا يرسمه إلا أبناؤها”. فليعلم العالم أن ما اتفق عليه خلف الأبواب المغلقة في أبوظبي، هو خريطة الطريق الجديدة التي سيسير عليها القطار العربي، بعيداً عن التدخلات أو الإملاءات، ليبقى هذا المحور هو الصخرة التي تتحطم عليها كل أطماع القوى الإقليمية.
