كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
في تاريخ ليبيا رجال لم تَصنعهم الصدفة، بل صاغتهم الأرض والكرامة والرفض المطلق للذل. ومن بين هؤلاء يبرز اسم المجاهد خليفة بن عسكر بن علي النالوتي (1878–1922م)، بوصفه قائدًا عسكريًا وزعيمًا محليًا ترك أثرًا عميقًا في مسار المقاومة بالجبل الغربي، وسجّل حضوره في أكثر الفترات تعقيدًا من تاريخ الاحتلال الإيطالي.
النشأة والتكوين: حين يولد الفارس
وُلد خليفة بن عسكر في مدينة نالوت بجبل نفوسة، في عائلة ميسورة من قبيلة العساكرة، وهو ما أتاح له تعليمًا مبكرًا في كتاتيب المدينة، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم القراءة والكتابة. غير أن تعليمه الحقيقي تشكّل في الفضاء المفتوح للصحراء والجبال.
كان شغوفًا بركوب الخيل وصيد الودّان، ومواظبًا على ألعاب الفروسية، ما أكسبه مهارات عالية في الرماية والمصارعة والتحمّل. هذه الهوايات لم تكن ترفًا، بل كانت تدريبًا عمليًا صنع منه مقاتلًا صلبًا وقائدًا ميدانيًا بارعًا لاحقًا. وإلى جانب ذلك، عُرف منذ شبابه بالكرم ومساعدة أترابه والإنفاق على المحتاجين، وهي صفات عزّزت مكانته الاجتماعية.
الشرارة الأولى: كرامة تُشعل المقاومة
ارتبط اسم بن عسكر في بداياته بجيوش الزعيم سليمان الباروني باشا، غير أن التحوّل الحاسم في مسيرته وقع في خريف عام 1913م، حين حاول ضابط إيطالي إجبار أهالي نالوت على تزويجه فتاة من المدينة. اعتبر بن عسكر الحادثة إهانة لا تُغتفر، فكانت الشرارة التي أشعلت تمرده المسلح.
منذ تلك اللحظة، بدأ بتكوين مجموعات مقاومة صغيرة، وشرع في قطع طرق الإمداد على القوات الاستعمارية، واضعًا كرامة المجتمع المحلي في صميم مشروعه الجهادي.
السجل العسكري: “البي خليفة” وحرب العصابات
سرعان ما فرض خليفة بن عسكر نفسه “سيدًا للمنطقة” الممتدة من كاباو إلى نالوت، ونفّذ عمليات نوعية أربكت القوات الإيطالية، بل وامتد تأثيره إلى الفرنسيين على الحدود التونسية. من أبرز محطاته العسكرية:
كمين وادي نالوت (1914م): عملية محكمة أثارت قلق القيادة الإيطالية وأثبتت فعالية حرب العصابات.
حصار نالوت: مواجهة حاسمة مع جيش الكولونيل روفرسي، انتهت بهزيمته رغم استشهاد 16 مجاهدًا، مقابل خسائر إيطالية كبيرة.
الهروب من معتقل قبلي: بعد تضييق الخناق عليه ولجوئه إلى الجنوب التونسي، أُودع معتقل قبلي، لكنه تمكّن من الفرار والعودة عام 1915م لقيادة عمليات نشطة شملت سيناون، كاباو، والجوش.
مواجهة الفرنسيين: في سبتمبر 1915م أعلن الحرب على القوات الفرنسية، وقاد هجمات جريئة على ذهيبة، رمادة، وبئر مغري، ما وسّع رقعة الصراع وأكسبه شهرة واسعة.
السياسة والفتنة: امتحان المرحلة الصعبة
في عام 1920م، عُيّن خليفة بن عسكر متصرفًا على الجبل الغربي ضمن الحكومة الطرابلسية. كانت تلك مرحلة دقيقة، إذ اندلعت صراعات قبلية حادة بين مؤيدي ومعارضي هذا التعيين، وأدّت إلى نتائج مأساوية ألقت بظلالها على المشهد الوطني.
لم تكن تلك الفتنة تعبيرًا عن ضعف الرجل، بقدر ما كانت انعكاسًا لتعقيدات المرحلة وضغوط الاحتلال وتداخل المصالح، وهو ما أثّر لاحقًا على صورة بعض القادة في السرديات التاريخية.
النهاية البطولية: الشهادة موقف أخير
في مايو 1922م، ألقت القوات الإيطالية بقيادة الكولونيل غراسياني القبض على خليفة بن عسكر. وبعد محاكمة سريعة، نُفّذ فيه حكم الإعدام شنقًا في ساحة سوق الزاوية صباح يوم 20 سبتمبر 1922م.
