بقلم : أحمد رشدي
لم يعد غريبًا أن يشعر الإنسان المهذّب بالإرهاق في مجتمع تزداد فيه الحدة،
وتعلو فيه الأصوات، ويُكافأ فيه الصخب أكثر مما تُكافأ الرصانة.
فالأدب، الذي كان يومًا قيمة اجتماعية جامعة، أصبح عند كثيرين عبئًا نفسيًا وسلوكيًا، يدفع صاحبه إلى الصمت القسري، أو التنازل المتكرر، أو الاحتمال الزائد عن الحد.
تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن الأشخاص ذوي الحس الأخلاقي المرتفع، والقدرة العالية على التعاطف، أكثر عرضة لما يُعرف بـ الإرهاق العاطفي المزمن، لأنهم يميلون إلى كبح ردود أفعالهم، وتجنّب الصدام، وتحمل ما لا يتحمله غيرهم.
الإنسان المهذب غالبًا ما يختار السلامة النفسية للآخرين على حساب راحته، فيصمت حين يجب الكلام، ويتجاوز حين يستحق التوقف، ويُبرر السلوك الخاطئ بدافع اللطف أو حسن الظن.
المجتمع الحديث، بتسارعه وضغوطه وتراجع معاييره، لا يمنح مساحة كافية لهذا النوع من البشر. بل على العكس، كثيرًا ما يُساء فهم التهذيب على أنه ضعف، والاحترام على أنه قابلية للاستغلال.
وفي بيئات العمل، على سبيل المثال، تُظهر تقارير إدارية موثوقة أن الموظفين الأكثر التزامًا وأدبًا هم الأكثر تحمّلًا للأعباء دون اعتراض، والأقل مطالبة بحقوقهم، ما يجعلهم عرضة للإجهاد الوظيفي والاستنزاف النفسي.
أما في العلاقات الاجتماعية، فيواجه الإنسان المهذب تحديًا يوميًا مع الفظاظة العابرة، والتدخل غير المبرر في الخصوصيات، والتطبيع مع الإساءة اللفظية أو التنمر الخفي. ومع تكرار هذه المواقف، تتراكم المشاعر المكبوتة، ويظهر ما يسميه علماء النفس بـ الاحتراق الداخلي الصامت، حيث يبدو الشخص هادئًا من الخارج، لكنه منهك من الداخل.
ومن المنظور الديني، لم يكن التهذيب يومًا ضعفًا، بل خُلقًا رفيعًا يدل على قوة النفس وضبطها. يقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، وهي آية تؤكد أن الرقي الأخلاقي اختيار واعٍ، لا عجز عن الرد.
كما قال النبي ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه»، وهو توجيه نبوي يرسخ قيمة اللين دون أن يلغي الحزم.
لكن الدين، في الوقت ذاته، لا يدعو إلى قبول الظلم ولا إلى إلغاء الذات.
فالعلماء أكدوا أن حفظ الكرامة من صميم الأخلاق، وأن السكوت عن الأذى الدائم ليس فضيلة، بل قد يكون تفريطًا في النفس. التهذيب الحقيقي هو التوازن بين اللطف والحزم، وبين حسن الخلق وصيانة الحدود.

إن المجتمع الذي يُرهق الإنسان المهذب يحتاج إلى مراجعة عميقة لقيمه السائدة،
وإلى إعادة الاعتبار للأدب باعتباره قوة أخلاقية لا عبئًا نفسيًا.
كما يحتاج الإنسان المهذب نفسه إلى أن يتعلم مهارة قول لا دون شعور بالذنب، وأن يدرك أن احترامه لذاته هو الامتداد الطبيعي لاحترامه للآخرين.
في زمن تتسع فيه مساحة القسوة اليومية، يظل الإنسان المهذب علامة فارقة، لكنه لا ينبغي أن يكون الضحية الدائمة. فالرقي لا يعني الاستنزاف، والأخلاق لا تعني أن نحترق بصمت.
