بقلم : أحمد رشدى
لم تعد العائلة اليوم تعاني من الغياب بمعناه القديم، غياب المسافات أو الهجرة أو الفراق القسري، بل ابتُليت بنوع أخطر وأشد خفاءً،
هو الغياب النفسي رغم الحضور الجسدي.
فقد تجتمع الأسرة في بيت واحد، وتتناول الطعام على مائدة واحدة، لكن الأرواح متباعدة، والعقول منشغلة، والقلوب غارقة في عوالم أخرى لا ترى من الجالسين سوى ظلالهم.
تفرض طبيعة الحياة السريعة إيقاعها القاسي على الأسرة المعاصرة. ضغوط العمل، وطول ساعات السعي، وتزايد الأعباء المعيشية،
جعلت الوقت سلعة نادرة، والجلوس الهادئ رفاهية مؤجلة.
ومع دخول التكنولوجيا بقوة إلى تفاصيل اليوم، لم يعد الهاتف مجرد أداة، بل صار وسيطًا دائمًا بين الإنسان ومن حوله، يسرق الانتباه، ويقتطع الحوار، ويختزل التواصل في إشارات سريعة لا تشبع حاجة النفس للدفء والإنصات.
علم النفس الأسري يؤكد أن التواصل الحقيقي لا يُقاس بمدة البقاء في المكان نفسه، بل بجودة التفاعل. فالنظر في العين، والإصغاء دون مقاطعة، والشعور بأن حديثك مسموع ومقدّر، كلها عناصر أساسية في بناء الترابط.
وحين يغيب هذا التواصل، ينشأ داخل البيت شعور خفي بالوحدة، قد يرافق الأبناء والآباء على السواء، رغم ازدحام الغرف بالوجوه.
وتتعدد العوامل المؤثرة في هذا البعد الصامت؛ منها انشغال كل فرد بذاته، وتراجع الحوار المشترك، وغياب العادات الأسرية التي كانت تجمع القلوب قبل الأجساد، كتناول الطعام معًا باستمرار ، أو الحديث اليومي، أو حتى الجلوس بلا هدف سوى المشاركة.
كما يسهم الضغط النفسي والتوتر الدائم في خلق حواجز غير مرئية، تجعل الفرد حاضرًا بجسده، غائبًا بعقله ومشاعره.
ولا يمكن إغفال أثر التقليد غير الواعي لأسلوب الحياة المعاصر، حيث تُقدَّم الفردية أحيانًا على حساب الروابط، ويُنظر للانشغال الدائم باعتباره نجاحًا، بينما هو في كثير من الأحيان انسحاب تدريجي من العلاقات الإنسانية الأعمق.

وهنا يصبح البيت مكانًا للراحة الجسدية فقط، لا ملاذًا نفسيًا ولا مساحة أمان عاطفي.
أما العلاج، فلا يبدأ بقرارات معقدة، بل بخطوات بسيطة واعية. إعادة الاعتبار للجلوس العائلي، ولو لدقائق يومية بلا هواتف ولا شاشات، وإحياء الحوار الصادق، والاهتمام بالسؤال الحقيقي لا المجاملة السريعة.
كما أن إدراك خطورة الغياب النفسي هو أول مفاتيح علاجه، فالأسرة التي تعي الخلل تملك فرصة الإصلاح.
ومن المنظور الديني، جاءت الدعوة واضحة إلى صلة الرحم، وحسن المعاشرة، وجعل البيت سكنًا ومودة ورحمة، لا مجرد مأوى.
فالعلاقة الأسرية في جوهرها ليست تزامنًا في المكان، بل تلاقيًا في القلوب، ومشاركةً في الهموم والأفراح، وتعاونًا يخفف عن النفس أعباء الحياة.
إن أخطر ما قد تصاب به العائلة ليس الخلاف الصريح، بل الصمت البارد، والاعتياد على الغياب النفسي.
فحين ننتبه إلى من يجلس معنا قبل أن نفقده معنويًا، ونمنح الأسرة وقتًا واهتمامًا حقيقيين، نستعيد المعنى الأصيل للاجتماع، وندرك أن أقرب المسافات لا تُقاس بالخطوات، بل بالقرب الإنساني الصادق.
