كتب/أسامة إبراهيم
لا تزال واحدة من أكبر الإشكاليات الاجتماعية في مجتمعاتنا هي الفهم المختل لعلاقة الرجل بالمرأة، وهو فهم يتجلى بوضوح في الطريقة التي يُفسَّر بها سلوك المرأة ومظهرها الخارجي. فالكثير من الرجال ما زالوا يعتقدون أن المرأة التي ترتدي ملابس جريئة أو تهتم بزينة جسدها إنما تفعل ذلك لتعرض نفسها على الرجال أو لتصبح “مباحة” لنظراتهم وتعليقاتهم، وكأن وجودها في المجال العام مشروط برضاهم أو موجَّه إليهم بالأساس.
هذا التصور لا يكشف عن حقيقة المرأة بقدر ما يكشف عن أزمة في الوعي الذكوري نفسه؛ إذ يقوم على اختزال المرأة في بعدها الجسدي، وتحويلها من إنسان كامل الذات إلى مجرد موضوع للرغبة أو الحكم الأخلاقي. والحقيقة أن التزين، في كثير من الحالات، هو فعل ذاتي قبل أن يكون رسالة للآخرين: تعبير عن إحساس داخلي بالجمال، ووسيلة لبناء الثقة بالنفس، وشكل من أشكال الهوية الفردية. بل إن دراسات اجتماعية عديدة تشير إلى أن جزءًا معتبرًا من سلوك التزين لدى النساء يرتبط بدوائرهن الاجتماعية النسائية نفسها، في سياق المنافسة الرمزية والتقدير المتبادل، لا بهدف جذب الرجال كما يُشاع.
لكن المشكلة تتفاقم عندما يتحول هذا الفهم الخاطئ إلى خطاب وصاية، يتكئ أحيانًا على تفسيرات دينية انتقائية أو أعراف اجتماعية موروثة، تمنح بعض الرجال شعورًا زائفًا بالسلطة الأخلاقية على النساء في الفضاء العام. وهنا لا يصبح الأمر مجرد رأي شخصي، بل يتحول إلى ممارسات واقعية تبدأ بالتعليقات والإيذاء اللفظي، وقد تنتهي إلى التحرش الجسدي، تحت مبررات من قبيل “الأمر بالمعروف” أو “الغيرة على القيم”.
الخطورة في هذا الخطاب أنه ينقل مركز المسؤولية من الفاعل إلى الضحية؛ فيُحاسَب سلوك المرأة بدلًا من محاسبة المعتدي، ويُعاد إنتاج فكرة أن الرجل غير مسؤول عن ضبط نفسه، وأن المرأة مطالبة بإدارة رغبات الآخرين بدلًا من إدارة حياتها الخاصة.
في المقابل، يطرح الفهم الديني والأخلاقي الرشيد قاعدة بسيطة وواضحة: المسؤولية فردية. فمن رأى ما لا يعجبه، فليغض بصره أو لينصرف في صمت، دون وصاية أو إدانة أو تدخل في شؤون الآخرين. فالقيم لا تُفرض بالإكراه الاجتماعي، ولا تُحمى بانتهاك كرامة الناس، بل تُصان بالوعي والاحترام المتبادل.
إن جوهر القضية ليس في قطعة قماش، ولا في شكل زينة، بل في نظرة مجتمع كامل إلى المرأة: هل يراها إنسانًا مستقلًا يملك جسده وخياراته، أم كيانًا مشروطًا برقابة الآخرين؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد إن كنا نسير نحو مجتمع يحترم أفراده، أم نعيد إنتاج دوائر الوصاية والعنف بأشكال جديدة.
