بقلم د.نادي شلقامي
— في مرافئ الانكسار.. جبرُ القلوب معراجُ السالكين
في عصرٍ طغت فيه المادة حتى استحالت الأرواحُ جزرًا معزولة، وفي زمنٍ تسارعت فيه خُطى الوقت فدهست في طريقها رقة الشعور وعفوية اللقاء؛ يقف الإنسان المعاصر “غريب الوجه واليد واللسان”، يئن تحت وطأة “المدلهمات” التي لم تترك لسكينة النفس ملاذًا.
هنا، في عاصفة الصخب التكنولوجي وجفاف المصالح، تبرز حاجة البشرية لا إلى رغيف خبزٍ فحسب، بل إلى “ترميم الأرواح” التي تصدعت من جفاءِ القريب وقسوةِ الغريب.
لقد جعل الحق سبحانه وتعالى من “القلب” مِحوراً للوجود الإيماني، فإذا هو مَحطُّ نظر الرب، ومستودعُ أسرارِ الغيب، وميزانُ التفاضل يوم تُبلى السرائر.
ومن مشكاة النبوة، استضاءت حقيقةٌ كبرى: أنَّ أعظم القربات ليست دائماً في صوامع التبتل، بل في “جبر الخواطر” المنكسرة، تلك العبادة التي تُعدُّ ترياقاً لسموم الوحدة، ومعراجاً يرتقي به العبد إلى مرضاة الله؛ فمن سار بين الناس جابراً، حُفَّ بعناية الله حين تزلُّ الأقدام.
في هذا التقرير، نفتحُ دفاتر الوحي، ونستنطقُ سيرة المصطفى ﷺ، ونقتفي آثار من سلفوا حين كانت “الكلمة الطيبة” عندهم ديناً، و”المواساة” فرضاً. لن نبحث فقط في التاريخ، بل نرسم “خارطة طريق” روحية، تداوي جراح النفوس في عالمٍ أرهقه الاغتراب، لنعلم يقيناً أن من جبرَ خاطرَ إنسان، كأنما أوقد قنديلاً في عتمة الوجود.
أولاً: جبر الخواطر في القرآن الكريم..
( العطاء بلا حدود)
— لم يترك القرآن الكريم شاردة ولا واردة إلا وبين فيها طريق السعادة. ومن أسمى المقاصد التي وردت في الذكر الحكيم هي عناية الله بذوي القلوب المنكسرة، وأمره لعباده بجبر الناس.
1. الله جابر المنكسرين:
— يقول تعالى في الحديث القدسي: “أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي”. وهي قاعدة كونية أن الله سبحانه وتعالى يتولى بنفسه شأن من يتولون جبر خلقه.
— فالله هو “الجبار” بمعنى الذي يجبر الضعيف ويغني الفقير ويشفي المريض.
2. مكافأة الإحسان بالإحسان:
— في سورة الإنسان، يصف الله الأبرار الذين يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً.
— إنها ذروة جبر الخواطر؛ أن تؤثر غيرك على نفسك، وتدخل السرور على قلب معدم أو أسير لا يملك شيئاً، فكان جزاؤهم عند الله نعيماً مقيماً ووقاية من شر ذلك اليوم العصيب.
3. القول الميسور:
— يوجه الله نبيه وزوجه وأهل الإيمان إلى أهمية الكلمة الطيبة والقول الميسور الذي يجبر خاطر السائل والمحروم، كما في قوله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا) [الإسراء: 28]. فحتى لو لم تكن تملك العطاء المادي، فعليك بالعطاء المعنوي الذي يجبر القلب.
ثانياً….السنة النبوية.. مدرسة جبر الخواطر
— ما إن تتصفح سيرة النبي ﷺ حتى تجده المدرسة المتكاملة في فن التعامل مع القلوب. لم يكن ﷺ قائداً فحسب، بل كان “جابراً” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
1. مشهد الحجون (جبر خاطر وحشي):
— حين أسلم وحشي قاتل حمزة عم النبي ﷺ، حاول الصحابة الانتقام منه أو تجنبه، لكن النبي ﷺ جبر خاطره بشدة، وقال له: “أغِبَّنَا وجهَك”.
— لم يقتله مع قدرته على ذلك، ولم يعنفه، بل طلب منه فقط ألا يظهر أمامه كثيراً حتى لا يتجدد الحزن. هذا جبر لخاطر رجل جاء تائباً يريد الصفح.
2. جبر خاطر زوجاته:
— موقفه ﷺ مع سودة بنت زمعة عندما خافت أن يطلقها، وهبت يومها لعائشة، فقبل النبي ﷺ ذلك وأبقاها في عصمته رعاية لكبرها وخوفها من العودة للكفر بعد الإسلام.
— وجبره لخاطر خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها كان بإكرام صديقاتها وإهدائهن، حتى كانت عائشة تقول: “ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة”.
3. جبر خاطر الأطفال والخدم:
— من مشيه في السوق ليشتري لأبناء جعفر الطيب ما يلهيهم عن بكاء فقد أبيهم، إلى قصته مع الأعرابي الذي جذبه بردائه حتى أثر في عنقه، فما كان منه إلا أن التفت إليه مبتسماً وأمر له بعطاء.
— كان ﷺ يرى في كل روح إنسانية قصة تحتاج إلى من يسمعها ويجبر كسرها.
ثالثاً.. من هدي السلف.. عظماء بجبرهم لا بجاههم
ترك لنا سلفنا الصالح نماذج مشرقة في جبر الخواطر، جعلتهم يصلون إلى منازل لم يصلوا إليها بكثرة صلاة أو صيام، بل بخلق عظيم.
1- عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان يتفقد رعيته ليلاً، فسمع امرأة تقول لأمها: “لا والله لا أمتزج اللبن بماء”، فقالت الأم: “إن عمر لا يرانا”، فقالت الفتاة: “إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا”. غادر عمر المكان وأرسل لخطبة الفتاة لابنه عاصم، لتكون أم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. هذا جزاء من جبر خاطر أمّ خافت على رزقها، وجبر خاطر بنت خافت الله في السر.
2- الإمام أحمد بن حنبل:
— في محنته المشهورة، كان يُضرب ويُهان، فلما رأى السجان ضعفه، انكسر قلب السجان عليه فكان يخفف عنه ويراعي حاله.
— بعد خروج الإمام أحمد من السجن وعلو شأنه، بحث عن ذلك السجان وجبر خاطره وأكرمه، وقال: “لقد كان لك في قلبي مكانة لن ينساها قلبي”. جبر الخاطر لا يُنسى، وأهله لا يُنسون.
رابعاً….الاستراتيجية العملية لجبر الخواطر
بعد هذا الاستقراء، نقدم خارطة طريق عملية مستمدة من الوحي وسيرة السلف، لمن أراد أن يسير بين الناس جابراً للخواطر، ليدركه عناية الله في جوف المخاطر:
1. الاستراتيجية الوجدانية (التلمس):
— كن حساساً كالرادار: درب نفسك على التقاط إشارات الحزن والضيق في وجوه الناس، في نبرات صوتهم، في كلماتهم المقتضبة.
— الاستماع العميق: أكثر الناس لا يريدون حلاً بقدر ما يريدون من يستمع إليهم. أعطِ المتحدث كامل انتباهك، ولا تقاطعه. هذا في حد ذاته جبر للخاطر.
–الكلمة الطيبة: قال ﷺ: “والكلمة الطيبة صدقة”. كن من المعروفين بكلمة الشكر، والثناء، والدعاء الصادق.
2- الاستراتيجية المادية (العطاء):
–الصدقة السرية: أعظم جبر للخاطر أن تضع مالاً في يد محتاج لا يعرفك، أو تسدد دين غارم دون أن يعلم.
— قضاء الحوائج: قال ﷺ: “لأن تمشي مع أخيك في حاجة حتى تقضيها أحب إليَّ من أن تعتكف في مسجدي هذا شهراً”. (الطبراني). تحرك واسعَ لقضاء حوائج الناس، كن سفيراً للخير.
–الهدية: “تهادوا تحابوا”. هدية بسيطة في وقت الحزن أو المناسبة تجبر خاطراً وتبني جسراً من المحبة.
3- الاستراتيجية الاجتماعية (المواساة):
— عيادة المريض: لا تقتصر على المريض فقط، بل جبر خاطر أهله بالاطمئنان وتقديم المساعدة.
— حضور الجنائز والتعزية: الموت يترك جرحاً عميقاً، حضورك ومشاركتك لأهل الميت أحزانهم أعظم جبر لخواطرهم.
— إكرام اليتيم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين”. كفالة اليتيم ليست فقط بالمال، بل بمسح رأسه وتأديبه وتعليمه والضحك معه، هذا جبر حقيقي لقلب يتيم.
4. الاستراتيجية الشخصية (النية):
— إخلاص النية: اجعل جبر الخواطر لله، تبتغي به وجهه. عندما تقدم معروفاً، قدمه لأن الله يحب المحسنين.
— التواضع: لا تنتظر شكراً من الناس، بل كن كمن يغرس بذرة لا ينتظر أن تثمر له، بل لتكون صدقة جارية في ميزان حسناته.
— “مرافئ الجبر في لُجج المخاطر”
وختاماً.. حين تتلاطم أمواج الكروب في “جوف المخاطر”، ويستبدُّ بالمرءِ ذهولُ الشدة، لا يبقى له إلا ما قدّمه من إحسان؛ فاللهُ سبحانه “لا يضيع أجر من أحسن عملاً”.
أيها القارئ الكريم، إن الأيام دُول، والدهرُ قُلّب، ولا يستقرُّ صرْفُ الزمان على حال. نحن جِيئةٌ وذهاب في مضمارِ الحاجة، يومٌ نُعطي فيه، وأيامٌ نترقب مَن يَمُدُّ لنا يد العون، أو يُلقي إلينا بكلمةٍ تُرمِّمُ ما تهدّم من الروح، أو يهبُنا ابتسامةً تشرقُ في دياجيرِ أحزاننا.
إن جبر الخواطر ليس نافلةً عاطفية، بل هو “تجارةٌ لن تبور” مع الله، واستثمارٌ في رصيدِ الغيب. فمَن طاف بقلوبِ العباد جابراً، سخّر الله له في غيابةِ الجُبِّ من يُلملم شتاته، ويجمعُ فُرقته. تلك هي السُنّة التي لا تحيد: “الجزاء من جنس العمل”؛ فكما تدينُ تُدان، وبذاتِ الكأسِ الذي سَقيتَ به المحزونينَ أملاً، ستُسقى في يباسِ أيامك فَرَجاً.
مَن رمّم انكسارَ الضعفاء في دارِ الفناء، تكفّل “الجبارُ” بجبرِه يوم العرْض. مَن نفّس كربةً، نُفِّست عنه مضائقُ القيامة. ومَن أسدل سِتراً على عورةِ أخيه، غشاه اللهُ بسِتره في الدارين.
فاجعل لك في كل إشراقةِ شمسٍ “أثراً سيّاراً”؛ تفقّد مكامنَ الألم، كن لليتيمِ وطناً، وللأرملةِ سداً، وللخادمِ رفيقاً. كُن كالنسمةِ الرخاء؛ تلمسُ القلوب الجديبة فتُزهر، وتترك خلفك من الدعواتِ ما يخرق الحُجب في جوف الليل.
فإذا نزلت بك المخاطر، وأحاطت بك الكروبُ إحاطةَ القيد، وتضاءلت أمامك المسالك؛ تذكّر حينها أنك كنت يوماً “سفيراً للجبر”، وحينها فقط، ستأتيك ألطاف اللهِ الخفية تسعى، وعنايته الربانية تكتنفك من حيث لا تدري. فهو سبحانه “الجبار” الذي يرمِّمُ القلوب المنكسرة، وهو أرحم الراحمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
