كتبت ـ مها سمير
في خطاب ناري ومباشر ألقاه مساء الأحد 13 يوليو 2025، عشية الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن خطة طموحة لتعزيز قدرات بلاده الدفاعية، محذرًا من دخول العالم مرحلة “انقلابات كبرى” وتهديدات غير مسبوقة للأمن والحرية في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وخلال كلمته من حدائق وزارة الجيوش في باريس، وصف ماكرون المشهد الدولي بأنه “الأكثر تقلبًا وقسوة منذ عقود”، مشيرًا إلى تراجع قيم التضامن الدولي، وانحسار الالتزام بالقانون الدولي، خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط. لكنه شدد على أن التهديد الأكبر في نظره يأتي من روسيا، واصفًا تحركاتها بأنها “منظمة ومستمرة ومصممة لتقويض استقرار القارة”.
رغم الصعوبات الاقتصادية ومحاولات الحكومة لخفض النفقات بنحو 40 مليار يورو، كشف ماكرون عن قرار بزيادة ميزانية الدفاع الفرنسية بمقدار 6.5 مليار يورو على مدى العامين المقبلين، لترتفع إلى 64 مليار يورو بحلول عام 2027. هذه الزيادة تُعد الأكبر في تاريخ الجيش الفرنسي الحديث، لكنها لا تزال دون طموحات بعض المسؤولين الذين دعوا للوصول إلى 100 مليار يورو أو نسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي كما يوصي الناتو.
وأكد الرئيس أن هذه الزيادات لن تتم عبر الاقتراض، بل من خلال تحفيز النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاج المحلي، داعيًا القطاع الخاص للمشاركة فيما أسماه “النهضة الدفاعية الوطنية”.
كشفت الرئاسة الفرنسية في الوثيقة المُحدثة للمراجعة الوطنية الاستراتيجية عن تحول جذري في العقيدة الدفاعية، إذ اعتبرت أن اندلاع نزاع عالي الكثافة في أوروبا خلال السنوات الخمس المقبلة لم يعد احتمالًا بعيدًا. وتشير الوثيقة إلى خطر “هجمات هجينة” تستهدف فرنسا وشركاءها الأوروبيين، وسط تصاعد عمليات التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية.
كما حددت الوثيقة 11 أولوية استراتيجية تتراوح بين تعزيز الردع النووي، ورفع الجاهزية القتالية، وتحديث القدرات الدفاعية، بما يشمل: الطائرات بدون طيار، الدفاع الجوي، الذكاء الاصطناعي في الاستخبارات، النقل الجوي، والقيادة المشتركة في العمليات متعددة الجنسيات.
في خطوة تعبّر عن توجّه نحو تعبئة مجتمعية، اقترح ماكرون إعادة إحياء “الخدمة العسكرية الطوعية” لتدريب المواطنين البالغين على مهارات الدفاع الأساسية، وهو ما يُعد مؤشرًا على قلق استراتيجي متصاعد من المخاطر المستقبلية.
مع تبقي عامين في ولايته، يبدو أن ماكرون يسعى لوضع حجر الأساس لما وصفه بـ”التحول الدفاعي الأوروبي”، في ظل عالم يتغير بسرعة ويعيد تشكيل توازناته بالقوة.
واختتم الرئيس خطابه برسالة صريحة:
“إذا لم تتحمل أوروبا مسؤولية أمنها اليوم، فقد تجد نفسها غدًا وحيدة في مواجهة عاصفة لا ترحم.”
