بقلم : جمال حشاد
تُعد حرب السادس من أكتوبر عام 1973 واحدة من أعظم المعارك في التاريخ الحديث، ليس فقط لأنها أعادت الكرامة للأمة العربية بعد سنوات من الانكسار، بل لأنها كشفت عن عبقرية التخطيط العسكري المصري وروح التضحية والإصرار لدى الجنود الذين كتبوا بدمائهم ملحمة النصر.
وقد بدأت الحرب في تمام الساعة الثانية من ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان، حين شنّت القوات المسلحة المصرية هجومًا مباغتًا على القوات الإسرائيلية المتمركزة في سيناء، بالتزامن مع هجوم سوري على جبهة الجولان. كان هذا التوقيت الذكي، الذي تزامن مع شهر رمضان والاحتفال اليهودي بيوم الغفران، أحد أسرار نجاح الخطة، إذ أربك العدو تمامًا وجعله غير مستعد للمعركة.
ومن أبرز أسرار الحرب خطة الخداع الاستراتيجي التي نفذتها القيادة المصرية ببراعة نادرة. فقد تم إيهام إسرائيل والعالم بأن مصر ليست مستعدة للحرب، من خلال السماح بتسريب معلومات عن تسريح الجنود وتكثيف التدريبات الروتينية، بل وحتى السماح للخبراء الأجانب بمراقبة هذه التدريبات لتأكيد الصورة المضللة. كما جرى تنظيم سلسلة من المناورات العسكرية قبل الحرب بأشهر، ما جعل العدو يظن أن التحركات التي سبقت الهجوم مجرد تدريب جديد.
أما على مستوى التنفيذ الميداني، فقد كانت خطة عبور قناة السويس واحدة من أعظم العمليات العسكرية في التاريخ. فقد تمكن المهندسون المصريون من ابتكار طريقة مبتكرة لفتح ثغرات في الساتر الترابي المعروف بخط بارليف باستخدام مضخات المياه عالية الضغط، وهي فكرة بسيطة في ظاهرها لكنها عبقرية في أثرها، إذ أتاحت للقوات عبور القناة في ساعات معدودة. وفي أول ست ساعات من الحرب، نجحت القوات المصرية في تحطيم معظم تحصينات العدو والسيطرة على الضفة الشرقية للقناة ورفع العلم المصري عليها، في مشهد خلدته الأجيال.
كما كشفت الحرب عن كفاءة التخطيط والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، من الدفاع الجوي إلى القوات الجوية والبحرية. فقد استطاعت قوات الدفاع الجوي إنشاء مظلة قوية من الصواريخ لحماية القوات أثناء العبور، بينما نفذت القوات الجوية المصرية ضربة افتتاحية ناجحة دمرت العديد من المطارات ومراكز القيادة الإسرائيلية.
ومن الأسرار التي ظلت لسنوات غير معروفة، الدور الكبير للمخابرات العامة المصرية في جمع المعلومات الدقيقة عن تحصينات العدو وتحركاته، وكذلك التعاون العربي الذي ساهم في دعم المجهود الحربي، سواء ماديًا أو سياسيًا أو حتى من خلال قطع النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل.
وانتهت الحرب بتحقيق هدفها الأكبر: كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” واستعادة الثقة في قدرة الأمة على النصر. لم يكن النصر عسكريًا فحسب، بل كان نصرًا نفسيًا ومعنويًا أعاد لمصر والعرب مكانتهم. وهكذا تظل حرب 6 أكتوبر المجيدة رمزًا للعزة والكرامة.
فى ذكرى السادس من اكتوبر عام ١٩٧٣م توجه جريدة “حديث وطن” تحية صادقة من القلب لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ رجال سطروا بأرواحهم أروع معانى البطولات؛ وأثبتوا على أن التخطيط والبطولة والإرادة الصادقة قادرة على تحقيق المعجزات.
