بقلم د.نادي شلقامي
يُجمع حكماء الأديان والفلاسفة على أن أخطر صراع يواجهه الإنسان ليس في ساحات القتال الخارجية، بل في أعماق ذاته. وفي ميزان الشريعة الإسلامية، تتبوأ معركة “جهاد النفس” منزلة “الجهاد الأكبر”. إنها المواجهة المستمرة مع “النفس الأمارة بالسوء”، التي وصفها القرآن الكريم على لسان امرأة العزيز: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. هذه النفس، بميلها الفطري نحو الشهوات والكسل والرذائل، تُعد المصدر الأول للخطايا والإخفاقات. فما هو التعريف الدقيق لهذه النفس في ضوء الوحيين الشريفين؟ وما هي خطة العمل المفصلة التي رسمتها لنا الشريعة لتزكيتها وترقيتها من قيد السوء إلى مرتبة الطمأنينة؟ هذا التقرير يُقدم إجابة مفصلة، تشمل محاور المراقبة، والمحاسبة، والوقاية، لبناء درع حصين في وجه أعتى الأعداء.
أولا…النفس الأمارة بالسوء :
(في ضوء القرآن والسنة)
التعريف….
النفس الأمارة بالسوء هي أدنى مراتب النفس البشرية، وهي مصدر الشرور والآثام إذا تُركت لحالها دون تزكية ومجاهدة.
1- في القرآن الكريم:
أ- ورد ذكرها في قول الله تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53).
ب- “أَمَّارَةٌ” صيغة مبالغة، تدل على كثرة الأمر بالسوء وميلها الشديد نحو الشهوات والرذائل، وتزيين المعاصي والإيقاع بالإنسان في المهلكات.
ج- هذه النفس تحمل في طياتها الدوافع الغريزية والصفات السلبية، وتميل إلى اتباع الهوى وترك حكم العقل والشرع، وهي بذلك تكون عدو الإنسان الأول من داخله.
2- في السنة النبوية:
أ- يُستفاد شرها من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يعوذ فيه بالله منها، كما في الحديث الذي رواه مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقولوا إذا أصبحوا وإذا أمسوا: “اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه…”.
ب- جهاد هذه النفس وتهذيبها هو الجهاد الأكبر كما ورد في بعض الأحاديث المشهورة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: “المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ” (رواه الترمذي).
ثانيا….بماذا تؤمر النفس الأمارة بالسوء؟
تأمر النفس الأمارة بالسوء بكل ما يخالف الشرع ويُرضي الهوى والشهوة، ومن أبرز ما تأمر به:
1- المعاصي والآثام: الدعوة إلى ارتكاب كل صغيرة وكبيرة من المعاصي والمنكرات، كالكذب، والغش، والظلم، والسرقة، والاعتداء على حقوق الآخرين.
2- اتباع الشهوات: الميل إلى شهوات البطن والفرج، والوقوع في المحرمات كأكل الحرام (المال الحرام)، أو الوقوع في الزنا وما يؤدي إليه.
3- الكسل عن الطاعات: التثاقل عن أداء الواجبات الدينية كالصلوات، أو ترك السنن والنوافل، وتأخير الخير والعمل الصالح.
4- الأخلاق المذمومة: الغضب، والحسد، والحقد، والرياء، والعجب، والكبر، وسوء الظن بالآخرين، والسعي في الفساد.
5- حب الدنيا المفرط: الانغماس في زينة الحياة الدنيا ونسيان الآخرة، وعدم المبالاة في تحصيل المال من حلال أو حرام.
ثالثا….كيفية جهاد النفس من كل الزوايا بالتفصيل الدقيق
جهاد النفس الأمارة بالسوء هو مسار تربوي مستمر، ينقل النفس تدريجياً من مرتبة الأمارة بالسوء إلى اللوامة، ثم إلى المطمئنة، ويقوم على عدة محاور متكاملة:
1- محور العلم والمعرفة (ردع الجهل بالعلم)
أ- العلم الشرعي النافع: هو البصيرة التي تميز الخير من الشر. يجب على المسلم أن يتفقه في دينه ليعرف ما يرضي الله وما يسخطه.
ب- معرفة مداخل الشيطان والنفس: فهم حيل النفس ووساوس الشيطان وكيف يستدرجون الإنسان للمعصية، لتجنبها مسبقاً.
ج-التفكر في العواقب: استحضار عواقب الذنوب في الدنيا (ضيق الصدر، حرمان الرزق، غضب الله) وفي الآخرة (العذاب والعقاب).
2- محور المشارطة والمراقبة والمحاسبة والمعاقبة (منهج المراقبة الذاتية)
هذا منهج عملي ذكره العلماء لإصلاح النفس:
أ-المشارطة: أن يشترط المسلم على نفسه في بداية اليوم أن يلتزم بالطاعات ويجتنب المعاصي (كأن يشترط على نفسه عدم الغيبة).
ب- المراقبة: أن يراقب نفسه أثناء النهار هل أوفت بما اشترطته أم لا، ويكون مستحضراً رقابة الله عليه.
ج- المحاسبة: في نهاية اليوم، يجلس جلسة محاسبة صادقة لنفسه: ماذا فعلت؟ كم طاعة قمت بها؟ كم معصية ارتكبت؟ (كأنها محاسبة الشريك لشريكه في التجارة).
د- المعاقبة: إذا وجدت النفس قد أذنبت، يجب معاقبتها بما يردعها، كأن يزيد في قيام الليل، أو الصوم، أو الصدقة، أو حرمانها من شيء مباح تحبه، مع التوبة الفورية الصادقة والاستغفار.
3- محور الأعمال الصالحة والعبادات (تقوية الإيمان)
أ- الفرائض: المحافظة التامة على الصلوات الخمس في أوقاتها بأركانها وخشوعها، وإخراج الزكاة، وصيام رمضان، والحج.
ب- النوافل: الإكثار من النوافل والسنن القبلية والبعدية، وقيام الليل، وصيام النوافل، والإكثار من الصدقات.
ج- الذكر والاستغفار والدعاء:
1- الذكر: مداومة ذكر الله على كل حال (تسبيح، تهليل، تحميد) فهو حصن للمسلم.
2- الاستغفار: ملازمة الاستغفار باستمرار؛ فهو يمحو أثر الذنب ويجعل القلب شفافاً.
3- الدعاء: الإلحاح على الله بالدعاء بالهداية وتزكية النفس، وأهم دعاء: “اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها”.
4- محور الابتعاد عن المعاصي والشهوات (الوقاية)
أ- غض البصر: حماية البصر من النظر إلى المحرمات، لأن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس.
ب- حفظ الجوارح: السيطرة على اللسان (من الغيبة والنميمة والباطل)، والأذن (من سماع الحرام)، واليد والرجل.
ج- البعد عن مواطن الفتن والفساد: تجنب الأماكن والأشخاص التي تثير الشهوات أو تدعو إلى المعصية.
د- صحبة الصالحين: مصاحبة الأخيار والاجتماع معهم على طاعة الله، فهم خير معين على الثبات والمجاهدة.
جهاد النفس هو جهاد متواصل لا ينقطع إلا بالموت، وهو طريق الترقّي إلى مراتب النفس العليا، فـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10)
إن جهاد النفس ليس حدثاً عابراً أو مهمة تنتهي بقرار، بل هو منهج حياة يومي مستدام. إنه عملية “صناعة الإنسان” التي تتطلب استنهاض محور العلم لإنارة البصيرة، وتفعيل نظام المراقبة والمحاسبة لتقويم الاعوجاج، والاعتماد على قوة العبادات والأعمال الصالحة لتقوية الروح. الفلاح والشقاء في الدنيا والآخرة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بنجاح المرء في هذا الجهاد المقدس؛ فالله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. فليعلم كل سالك أن مفتاح السلام الداخلي والنجاح الحقيقي يكمن في تحويل هذه النفس الأمارة بالسوء إلى نفس لوامة، ثم إلى نفس مطمئنة راضية مرضية، وهذا لا يتأتى إلا بصدق العزيمة والاستعانة الدائمة بخالق النفس ومزكيها.
