نجده محمد رضا
يُعدّ الصحابي الجليل أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه أحد الأبطال الذين سطّروا أسماءهم في صفحات التاريخ الإسلامي بحروف من نور، فقد كان مثالًا للفارس الشجاع، والمجاهد الصادق، والمؤمن الثابت على العهد مع الله ورسوله
اسمه كنانة بن حصين الغنوي، وكني بـ أبي مرثد، وهو من قبيلة غَنِيّ بن يعصر من قيس عيلان. كان من أوائل الذين أسلموا في مكة، وشارك في نصرة الدعوة الإسلامية في أيامها الأولى، رغم ما واجه المسلمون من اضطهادٍ وتعذيبٍ على يد قريش.
إسلامه وهجرته
آمن أبو مرثد إيمانًا راسخًا حين سمع رسالة التوحيد من النبي ﷺ، وصدّق به من غير تردد. وبعد اشتداد أذى قريش للمسلمين، هاجر إلى المدينة المنوّرة مع من هاجر من الصحابة، ليشارك في بناء الدولة الإسلامية الأولى تحت راية النبي الكريم ﷺ.
وقد كان من الرجال الذين بعثهم الرسول ﷺ إلى مكة لمساعدة المسلمين على الهجرة، فكان يسلك الطرق الوعرة والمناطق الخطرة في سبيل إنقاذ إخوانه من أسر الكفار، وكان معروفًا بشجاعته ودهائه في مثل هذه المهمات.
بطولاته في ميادين القتال
اشتهر أبو مرثد الغنوي بشجاعته الفائقة في المعارك، وكان من الفرسان المعدودين في الإسلام. شارك في غزوة بدر الكبرى، أول معركة فاصلة بين الحق والباطل، فكان من المجاهدين الذين كتب الله لهم النصر في تلك الملحمة العظيمة.
كما شهد غزوة أحد والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وظل ثابتًا لا يتراجع ولا يلين، مقدامًا في القتال، حريصًا على نيل الشهادة في سبيل الله.
حادثة مشهورة في سيرته
ومن أبرز المواقف التي رويت عنه، أنه استأذن النبي ﷺ أن يتزوج امرأة كانت له في الجاهلية تُسمى عناق، وكانت لا تزال مشركة فأنزل الله تعالى قوله الكريم:
{وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221].
فنهاه النبي ﷺ عن الزواج منها، فامتثل لأمر الله، وكان في موقفه هذا دليلٌ على صدق إيمانه وخضوعه التام لأوامر الله ورسوله ﷺ.
وفاته
توفي أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه في عهد رسول الله ﷺ أو بعده بقليل، بعد حياةٍ حافلةٍ بالجهاد والعطاء، وخلّد التاريخ اسمه ضمن صفوف الرجال الذين نصروا الله ورسوله بصدق وإخلاص.
لقد كان أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه نموذجًا للصحابي الذي جمع بين الإيمان العميق والشجاعة النادرة، فقدم حياته في سبيل نصرة الدين، وكتب لنفسه مكانة خالدة في سجلّ المجاهدين الأوائل الذين رفعوا راية الإسلام في وجه الظلم والطغيان.
فرحمة الله عليه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
