بقلم السيد عيد
في قلب المدينة، خلف باب قديم يصرّ عند فتحه كأنه يشكو من أعباء الحياة، يقع ذلك المكان الغامض الذي لا يُعرف عنوانه، لكنه معروف بين الرجال كملجأ وسر مخفي… نادي الرجال السري. هنا، يُسمح لهم بالرغي عن الزوجات بلا محاضر، ويحظون بألقاب مثل “باشا” و”قائد ودنچوان كما لو أنهم يحكمون دولة مستقلة داخل جدران هذا النادي.
عندما يدخل الرجل النادي، يتغير فجأة… يستقيم ظهره، ينتفخ صدره، ويتحول إلى بطل يرفع راية السيطرة في بيته قائلاً:
“أنا عندي كلمة واحدة… تتسمع وتتطاع!”
لكن ما إن ترنّ نغمة هاتف الزوجة، حتى ينكمش هذا البطل، وينخفض صوته، ويهمس كأنه طفل صغير:
“حاضر يا روحي… لأ، أنا مش برا… ده صوت المروحة.”
في فيلم “نادي الرجال السري” الشهير، هناك مشهد لا يُنسى، حينما يحاول البطل أن يثبت لرفاقه أنه هو المسيطر في بيته، لكنه يفاجأ باتصال من زوجته، فيتحول من قائد جبهة إلى عبد مهيمن عليه، وهو المشهد الذي يضحكنا جميعًا لأنه صدى حقيقي لحكاياتنا اليومية.
السر ليس في الخوف من الزوجات، بل في مواجهة الحقيقة: أن الرجل قد يهرب دقائق معدودة من “الدرس” اليومي، لكنه يعود وهو يحفظ تفاصيله جيدًا. والنساء؟ يعرفن كل شيء، من أول دخان الشيشة في الركن إلى آخر كلمة “أنا المسيطر”.
الحقيقة الأجمل هي أن البيت هو النادي الحقيقي؛ القلعة التي لا تحتاج إلى أبواب سرية أو كلمات مرور. ما إن يفتح الرجل باب بيته، يجد زوجة تستقبله بابتسامة رغم تعبها، وأولاد يركضون نحوه كأنهم يستقبلون بطلًا عائدًا من معركة بطولية، حتى وإن كانت مجرد معركة البحث عن مكان لركن السيارة!
في هذه المساحة الصغيرة التي يسمونها “بيت”، ينمو الرجل دون أن يشعر، يلين صوته الذي كان قاسيًا، ويضحك بصدق بعدما كان يضحك تمثيلًا. هناك يتعلم أن البطولة ليست في الهروب أو الاختباء، بل في الثبات والصبر وسط مسؤوليات الحياة، حتى لو وقع من التعب ثم عاد ليقف من جديد.
الزوجة ليست “لجنة تفتيش” كما يتهكم البعض، بل هي الحارس الأمين على قلبه، تحميه من الصدأ والبرود. والأولاد هم أعذب فوضى تعيد الرجل طفلاً كل يوم بابتساماتهم ومشاغباتهم. والبيت، رغم كل الشكاوى والمصاريف، هو السند الحقيقي، والاستقرار، والعالم المصغر الذي تتصفى فيه كل الهموم.
وفي النهاية، يدرك الرجل أن النوادي السرية والملاجئ المؤقتة ما هي إلا سراب، وأن الضحكة الحقيقية لا توجد في ركن الشيشة أو بين الجلسات، بل في حضن أبنائه. وأن الراحة الحقيقية ليست في الهروب من البيت، بل في العودة إليه، حيث تبدأ وتنتهي الرجولة في دفء قلب زوجته ويدين صغيرتين تتمسكان به كأنه العالم كله.
فيا باشا… لو أردت أن تكون حقًا رجلاً، فلا تبحث عن نوادٍ سرية، بل احرص على بيتك، ففيه يُغلى الشاي وتُصفّى الحياة، وهناك فقط تصنع الرجولة الحقيقية.
