بقلم : أحمد رشدى
أحدث صدور كتاب المصالحة في نوفمبر 2025، مذكرات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول، زخماً ثقافياً وسياسياً واسعاً في فرنسا، حيث يجمع الكتاب بين السرد الشخصي المكشوف والتوثيق السياسي الدقيق لمرحلة مفصلية من تاريخ إسبانيا المعاصرة. العمل، الذي تعاونت في كتابته الكاتبة الفرنسية لورانس دوبريه، يمتد لأكثر من 500 صفحة، ويرصد حياة ملك بدأت بالمنفى والقلق وانتهت بالعزلة في أبوظبي.
يبدأ الكتاب من طفولة خوان كارلوس في البرتغال، ثم انتقاله القاسي إلى مدرسة داخلية في مدريد بإشراف فرانكو، في تجربة يصفها بأنها لحظة تأسيس للذات في ظل الغياب. ويستعيد الملك تفاصيل وفاة شقيقه الأكبر، وتأثير هذه الصدمة على طباعه وشعوره المبكر بالمسؤولية. هذه الخلفية الإنسانية تمنح القارئ فهماً أعمق لشخصية رجل جمع بين السلطة والهشاشة الداخلية.
ومع وصوله إلى العرش عام 1975 بعد وفاة فرانكو، يتناول الكتاب تفاصيل الانتقال الديمقراطي الذي شارك في قيادته، قبل أن تأتي لحظة الاختبار الأكبر في انقلاب 23 فبراير 1981. يروي الملك تلك الليلة باعتبارها “اللحظة التي وُضع فيها التاج على الكتفين لا على الرأس”، حيث ظهر أمام العالم مرتدياً زيه العسكري ليحسم موقف الدولة ويحمي المسار الديمقراطي.
ولا يتجاهل المصالحة الجانب المثير للجدل في حياته، إذ يعترف الملك بأخطاء الماضي، وبالفضائح المالية وعلاقاته الخاصة، مع إعادة سرد الخلاف مع ابنه الملك فيليبي السادس، حين أعلن الأخير تخليه عن الإرث الملكي. كما يوضح حقيقة الشائعات المرتبطة بالأميرة ديانا مؤكداً أنها “مجرد علاقة باردة أمام الكاميرات”.
ويمتد العمل إلى سنوات المنفى الاختياري في أبوظبي، حيث يكشف الملك عن وحدة ثقيلة وحنين دائم إلى وطنه، قائلاً: “كل يوم أفكر في ما تركته خلفي، وأبحث عن مكان أنتمي إليه بلا سلطة”.
ويتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية إلى مساحة أوسع من التأمل في الذاكرة الوطنية، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع تحولات إسبانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. ويبرز المصالحة كوثيقة شاهدة على حقبة أوروبية كاملة أعادت تعريف معنى السلطة والمصالحة والهوية.
أما تأجيل إصدار النسخة الإسبانية حتى ديسمبر 2025، فيعكس حساسية المؤسسة الملكية ورغبتها في ضبط الصورة العامة للملك السابق والحالي قبل الذكرى الخمسين للملكية البرلمانية، ما يمنح الكتاب بعداً سياسياً موازياً لأبعاده الأدبية والتاريخية.
