د.نادي شلقامي
يُمثّل التسامح والتعايش السلمي حجر الزاوية في بناء الحضارات المستدامة والمجتمعات المزدهرة. وفي غمرة الاحتفال بيوم التسامح العالمي، تبرز مصر كنموذج تاريخي وحضاري فريد، قادت فيه العالم عبر آلاف السنين في تجسيد هذه القيم النبيلة. لم يكن التسامح مجرد شعار في تاريخ مصر، بل كان نسيجاً متجذراً في هويتها الثقافية، يتجسد في قبولها للتعددية الدينية والعرقية، وقدرتها الفائقة على احتواء المختلف والعيش المشترك بسلام، منذ فجر الحضارة الفرعونية وحتى الجمهورية الجديدة في عهد الرئيس السيسي. هذا التقرير يستعرض مسيرة مصر الرائدة في هذا المجال عبر مراحلها التاريخية المتعددة.
أولا…العصر الفرعوني :
(بذور التسامح الأولى)
تُعدّ الحضارة المصرية القديمة، التي نشأت على ضفاف النيل، شاهداً مبكراً على قيم التعايش. ورغم تعدد الآلهة المحلية، كان هناك نوع من الانسجام العقائدي واحترام لآلهة الأقاليم المختلفة.
1- أخناتون وثورة التوحيد: في سابقة تاريخية، جاء الملك أخناتون ليدعو إلى عبادة إله واحد هو آتون. ورغم طبيعة هذه الثورة الدينية، فإنها لم تقتلع جذور العبادات الأخرى بشكل دموي، بل مثلت تحولاً فكرياً عظيماً. وقد تعايشت مفاهيم دينية مختلفة جنباً إلى جنب على مر العصور الفرعونية.
2- احترام الثقافات الأجنبية: تعاملت مصر الفرعونية، في أوج قوتها، مع الشعوب المجاورة ببراغماتية، فكانت تستوعب العناصر الأجنبية وتدمجها في نسيجها الاجتماعي دون صهر قسري، ويظهر ذلك في تماثيلهم ونقوشهم التي تُصوّر تنوعاً عرقياً.
ثانيا… العصر اليوناني والروماني:
( التعددية الدينية والثقافية)
مع غزو الإسكندر الأكبر عام 332 ق.م. وتأسيس مدينة الإسكندرية، تحولت مصر إلى مركز عالمي للتلاقح الثقافي والمعرفي.
1- مكتبة الإسكندرية: لم تكن المكتبة مجرد صرح للعلم، بل رمزاً لتقبّل المعرفة من كل حدب وصوب، حيث ضمت علوم وفلسفات وثقافات العالم القديم، من يونانية ومصرية وبابلية وغيرها.
2- التعايش الديني: شهدت مصر في هذا العصر تعايشاً بين المعابد المصرية التقليدية، والمعابد اليونانية، ولاحقاً المعابد الرومانية، ثم ظهور الجاليات اليهودية والمسيحية المبكرة. فكانت مدينة الإسكندرية مركزاً لتسامح ديني وثقافي فريد.
ثالثا…العصر القبطي (المسيحي):
(رسالة المحبة والسلام)
تحوّلت مصر تدريجياً إلى الديانة المسيحية، وكانت الكنيسة القبطية من أوائل الكنائس التي حملت رسالة المحبة والتسامح.
1- المسيحية المبكرة: واجه المسيحيون في بادئ الأمر اضطهاداً رومانياً، لكن بعد اعتناق الدولة للديانة، أصبحت مصر مركزاً روحياً هاماً. وقد ترسخت قيم المحبة والتسامح والغفران كركائز أساسية في المجتمع المصري.
2- الحياة الرهبانية: نشأت الرهبنة في مصر، وقامت على قيم الزهد والتعاون السلمي والانعزال الإيجابي، وساهمت في حفظ اللغة والثقافة المصرية.
رابعا…العصر الإسلامي:
(عهد الأمان والذمة)
عندما دخل الإسلام مصر على يد عمرو بن العاص عام 641م، لم يتم ذلك بقوة السيف، بل بعهد الأمان الذي ضمن لأهل مصر (الأقباط) حريتهم الدينية وحقهم في ممارسة شعائرهم.
1- وثيقة الأمان: مثلت هذه الوثيقة إحدى أروع صور التسامح في الفتوحات الإسلامية، إذ نصت على احترام الكنائس وعدم إكراه أحد على اعتناق الإسلام، وهو ما يجسد قوله تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (2:256).
2- نظام الذمة: ضمن هذا النظام للأقباط واليهود حقوق المواطنة والحماية، مقابل الجزية، مما أتاح لهم المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدولة الإسلامية.
3- التعايش العملي: تعايش المصريون مسيحيين ومسلمين، وشاركوا في بناء الدولة، فبرزت شخصيات قبطية في دواوين الدولة، وظلت اللغة القبطية مستخدمة لقرون إلى جانب العربية. كما احتفلت الطوائف ببعضها البعض، فكان للمسلمين احترام لأعياد الأقباط والعكس.
خامسا… العصر الحديث والمعاصر:
( دولة المواطنة والتنوع)
شهدت مصر في العصر الحديث تحولات كبرى أكدت على قيم التسامح والتعايش، خاصة مع تزايد التيارات القومية والمطالبة بدولة المواطنة.
1- ثورة 1919: كانت تجسيداً عملياً للوحدة الوطنية، حيث خرج المسلمون والأقباط جنباً إلى جنب تحت شعار “الدين لله والوطن للجميع”. وظهر الهلال والصليب كرمز لهذه الوحدة الخالدة.
2- الأسرة المصرية الواحدة: ترسخ مفهوم أن مصر بجميع أبنائها هي أسرة واحدة، لا فرق فيها بين مسلم ومسيحي، وهذا المفهوم تم ترسيخه في الدساتير المصرية المتعاقبة.
3- استقبال المهاجرين: كانت مصر وما زالت ملاذاً آمناً لمختلف الجنسيات والمهاجرين واللاجئين (أرمن، يونانيون، إيطاليون، سوريون، سودانيون… إلخ)، ودمجتهم في نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وهو قمة في التسامح والاحتواء.
سادسا…. التسامح والتعايش في عهد الرئيس السيسي:
(مرحلة الجمهورية الجديدة)
أولاً:.. التسامح والتعايش الداخلي ودعم كل الأديان والثقافات
ترجمت مصر، بقيادة الرئيس السيسي، قيم التسامح إلى سياسات دولة راسخة، مرتكزة على مبدأ المواطنة الكاملة والمساواة:
1- ترسيخ مبدأ المواطنة الدستورية والقانونية
1-1- المساواة وعدم التمييز: التأكيد على أن جميع المصريين متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو العرق.
1-2- قانون بناء وترميم الكنائس: إصدار هذا القانون وتطبيقه بفاعلية، ما أدى إلى تقنين أوضاع آلاف الكنائس والمباني التابعة للطوائف المسيحية، وضمان حق المواطنين في ممارسة شعائرهم بحرية وأمان.
2. رموز التعايش وبناء النسيج الوطني
2-1- أيقونات العاصمة الإدارية: بناء كاتدرائية ميلاد المسيح وجامع الفتاح العليم جنباً إلى جنب في العاصمة الإدارية الجديدة، كأقوى رمز لوحدة النسيج الوطني والتعايش السلمي.
2-2- تفعيل دور بيت العائلة المصرية: دعم هذه الآلية التي تضم ممثلين عن الأزهر والكنيسة، لتعزيز الحوار المجتمعي ومواجهة أي محاولات لشق الصف الوطني.
2-3- استعادة وحماية التراث: ترميم وحماية المواقع الأثرية والمقدسة لجميع الأديان، بما في ذلك الكنائس القديمة والمواقع اليهودية، تأكيداً على الاعتراف بتنوع وإثراء الهوية المصرية.
3. تجديد الخطاب الديني ومكافحة التطرف
3-1- دعوات تجديد الخطاب: توجيهات متكررة من الرئيس للمؤسسات الدينية (الأزهر والأوقاف) بتبني خطاب ديني وسطي يعزز التسامح والاعتدال.
3-2- جهود الأزهر الشريف: تفعيل دور الأزهر عالمياً عبر مرصد الأزهر العالمي لمكافحة الفكر المتطرف بـ 12 لغة، وتأسيس مركز الأزهر لحوار الأديان لنشر ثقافة السلام والتعايش العالمي.
ثانياً: الدور الإقليمي والدولي:
(مصر كراعٍ للاستقرار والسلام)
تبنّت مصر سياسة خارجية محورها دعم الحلول السياسية والتمسك بوحدة الدول، متجسداً في دورها تجاه أزمات المنطقة:
1. الدعم السياسي والإنساني للأشقاء
أ- السودان:
1- الدعم السياسي المستمر لجهود الحوار الوطني والحفاظ على وحدة واستقرار السودان.
2- استقبال ملايين اللاجئين السودانيين إثر النزاع الأخير ومعاملتهم كـ “ضيوف”، وتقديم الخدمات الأساسية لهم دون تمييز، وهو نموذج عملي للتسامح والاحتواء الإنساني.
ب- ليبيا:
1- التمسك بوحدة التراب الليبي ورفض التدخلات الأجنبية، واعتبار أمن ليبيا جزءاً من الأمن القومي المصري (خط أحمر).
2- دعم جهود الحل السياسي الشامل وضرورة إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة.
ج- سوريا والعراق واليمن:
1- التمسك بـوحدة وسيادة هذه الدول ورفض تقسيمها.
2- دعم الحلول السياسية التي تحافظ على مؤسسات الدولة الوطنية وتلبي تطلعات شعوبها.
3- المشاركة في آلية التعاون الثلاثي (مصر، الأردن، العراق) لتعزيز التكامل والاستقرار الإقليمي.
2- قيادة الحوار العالمي ومكافحة التطرف
2-1- حوار الأديان: قادت مصر جهوداً دولية في الحوار بين الأديان والثقافات، واستضافت قادة روحيين عالميين لتعزيز التفاهم المشترك.
2-2- مكافحة الهجرة غير الشرعية: تحولت مصر إلى نموذج دولي في هذا الملف، حيث أوقفت خروج قوارب الهجرة غير الشرعية من سواحلها منذ عام 2016، في حين احتضنت ملايين المهاجرين واللاجئين على أراضيها، دمجتهم في المجتمع وقدمت لهم الخدمات.
ثالثاً: الأثر الإيجابي لسياسات التسامح والتعايش
عكست هذه السياسات آثاراً عميقة على مكانة مصر وأوضاع مواطنيها:
1- الأثر الدولي والمكانة الاستراتيجية
1-1- استعادة الريادة الإقليمية: أصبحت مصر فاعلاً إقليمياً ودولياً محورياً، قادراً على لعب دور الوسيط النزيه وصانع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
1-2- زيادة الثقل السياسي: تعززت ثقة المجتمع الدولي في مصر، مما دعم حصولها على مقعد في مجلس الأمن وترؤسها للاتحاد الإفريقي، وتنامي دورها في عمليات حفظ السلام الأممية.
2. الأثر السياحي والاقتصادي
2-1- مناخ جاذب للاستثمار: ساهم الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية وغياب التوترات الطائفية في خلق بيئة أعمال آمنة وجاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
2-2- نمو السياحة المتنوعة: ترسخت صورة مصر كـوجهة آمنة ومتسامحة، ما أدى إلى نمو السياحة، خاصة السياحة الثقافية والدينية التي تستهدف مواقع التراث المتنوعة.
3. الأثر على المواطن المصري ذاته
3-1- تعزيز الوحدة والانتماء: الشعور بأن الدولة ترعى مصالح جميع أبنائها على قدم المساواة عزز الوحدة الوطنية وقوّى الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.
3-2- السلام المجتمعي: أدت التشريعات والممارسات الفعالة إلى القضاء على بؤر التوتر الطائفي وتراجع حدة النزاعات، مما حقق سلاماً مجتمعياً ملموساً.
3-3- الاعتزاز بالدور الوطني: شعر المواطن المصري بالاعتزاز والفخر ببلاده التي تقف سنداً لأشقائها في أوقات الأزمات، وتلعب دوراً رائداً في نشر السلام العالمي.
وختاما…لقد أثبتت مصر على مر العصور أنها مهد التسامح وواحة التعايش السلمي. منذ حكمة الفراعنة، مروراً بفتح الإسلام بعهوده السمحاء، ووصولاً إلى عهد الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس السيسي، حيث أصبح التسامح سياسة دولة راسخة وممارسة يومية. لم تكن مصر رائدة في هذا المجال محلياً فحسب، بل قدمت نموذجاً عالمياً يحتذى به، يثبت أن قوة الأمة تكمن في وحدتها وتنوعها، وأن التعايش السلمي ليس مجرد خيار، بل هو السر الكامن وراء استمرارية وتفوق الحضارة المصرية على مر آلاف السنين. ففي يوم التسامح العالمي، تقف مصر شامخة لتُذكّر العالم بأن السلام يبدأ بالقبول والاحترام المتبادلين.
