بقلم : أحمد رشدي
في قلب جبال القوقاز الهادئة وبين ظلال بحيرة باشبليمي في جورجيا،
خرج إلى النور اكتشاف أثري يوشك أن يقلب مفاهيمنا عن نشأة الكتابة رأسًا على عقب.
فقد عثر علماء الآثار هناك على لوح بازلتي صغير الحجم لكنه بالغ الأثر، يحمل ستين رمزًا محفورًا بدقة مذهلة، تسعة وثلاثون منها غير معروف في أي لغة أو نظام كتابة سبق للعلم أن سجّله أو وثّقه.
وما إن ظهرت النقوش على سطح اللوح حتى بدا كأن التاريخ نفسه يعيد ترتيب أوراقه.
اللافت أن هذا اللوح الغامض اكتُشف في الموقع ذاته الذي شهد سابقًا العثور على بقايا أحد أقدم أسلاف الإنسان في أوروبا،
يرجَّح أن عمره يصل إلى مليون وثمانمائة ألف عام. ورغم أن اللوح لا يعود إلى هذا العمر السحيق، فإن وجوده في تلك البقعة يفتح أبوابًا واسعة للتساؤل حول الشعوب التي مرّت هنا واللغات التي نطقت بها والحضارات التي ربما اختفت قبل أن تترك أثرًا آخر غير هذا الشاهد الصامت.
الدراسة المنشورة في مجلة التاريخ القديم والآثار تكشف أن اللوح مشغول من بازالت محلي وأن النقوش رُتبت في سبعة صفوف متناسقة توحي بنظام كتابة كامل لا مجرد رموز عشوائية. ومع أن الباحثين أخضعوه لتحليل مقارن مع أكثر من عشرين لغة قديمة، لم يكن هناك تطابق مع أي نص معروف. ظهرت بعض ظلال التشابه مع لغات سامية وشمال أيبيريا ومع نصوص الشرق الأدنى من الفينيقية إلى السينائية البدائية مرورًا ببقايا كتابات قوقازية مبكرة، إلا أن كل تشابه بدا وكأنه خيط مقطوع لا يصل إلى أصل محدد.
ويذهب الباحثون إلى أن هذه الرموز ربما تمثل أبجدية مجهولة، أو فرعًا مبكرًا من عائلة كتابات لم تصل إلينا كاملة، وربما كانت جسرا ضائعًا بين نصوص الكارتفيلية الأولى ورموز العصر البرونزي في جورجيا.
ومع أن بعضها يستحضر ملامح من الفينيقية والآرامية واليونانية، فإن الهوية الحقيقية للنظام تظل عصية على التصنيف، كأن اللوح تعمّد أن يظل لغزًا يقف في منتصف الطريق بين كل هذه اللغات دون أن ينتمي فعلا لأي منها.
الشيء المؤكد أن هذا الاكتشاف لا يمثل مجرد قطعة حجر تحمل رموزًا مجهولة،
بل نافذة نادرة على عالم مفقود من العصور السحيقة. فكل رمز من رموزه التسعة والثلاثين يبدو وكأنه ينطق بلغته الخاصة، يهمس بقصص شعوب لم تُكتب سيرتها بعد،
ويمنح الباحثين أملاً بأن القوقاز قد يخفي في طياته صفحات جديدة من تاريخ الإنسان لم تُقرأ بعد. هذا اللوح ليس أثرًا عاديًا،
بل بداية حكاية جديدة في التاريخ القديم، حكاية ما زالت فصولها تنتظر م
ن يفك رموزها.
