بقلم د.نادي شلقامي
تُعدّ هيلين آدامز كيلر (1880 – 1968) واحدة من الشخصيات الأكثر إلهاماً وتأثيراً في التاريخ الحديث، وهي رمزٌ حيٌّ لانتصار الروح البشرية على أقسى التحديات. في مرحلة مبكرة من طفولتها، ألقت بها ظروف قاسية في ظلام دامس وصمت مطبق إثر فقدانها حاستي السمع والبصر. لم تكن حياة كيلر مجرد كفاح فردي ضد الإعاقة، بل تحوّلت إلى مسيرة حافلة قادتها من حالة الانعزال واليأس إلى مصاف الكُتاب والناشطين والمحاضرين العالميين. يهدف هذا التقرير إلى تتبع المسيرة الاستثنائية لهذه السيدة العظيمة، بدءاً من اللحظة التي فُتحت فيها أبواب التواصل مع العالم على يد معلمتها آن سوليفان، مروراً بإنجازاتها الأكاديمية ونشاطها الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى سنواتها الأخيرة التي كرّستها لنشر الأمل والتفاؤل حول العالم.
حياة هيلين كيلر (1880 – 1968)
هيلين آدامز كيلر هي كاتبة وناشطة ومحاضرة أمريكية، تُعد رمزًا للإصرار والتحدي، وتُعرف بأنها أول شخص أصم وأعمى يحصل على شهادة البكالوريوس في الآداب.
أولا….الطفولة وفقدان الحواس (1880 – 1887)
1- الميلاد: وُلدت هيلين كيلر في 27 يونيو 1880 في مدينة توسكومبيا بولاية ألاباما الأمريكية.
2- الخلفية العائلية: كانت طفلة سليمة في عائلة ثرية (تدهورت أحوالها بعد الحرب الأهلية)، ووالدها هو الكابتن آرثر إتش. كيلر، محرر صحيفة محلية وكابتن سابق في جيش الكونفدرالية.
3- الإعاقة: قبل أن تكمل عامها الثاني (في سن 19 شهرًا)، أُصيبت بمرض شديد غير معروف، يُرجح أنه الحمى القرمزية أو الحصبة الألمانية، مما أدى إلى فقدانها الكامل لحاستي السمع والبصر في الوقت نفسه.
4- التحديات المبكرة: أدت الإعاقة إلى أن تصبح هيلين طفلة “شقية ومتوحشة” في السنوات التالية، حيث كان التواصل صعبًا عليها وعلى عائلتها، على الرغم من أنها بدأت في استخدام الإشارات للتواصل مع ابنة طباخة العائلة، مارتا واشنطن، وأصبح لديها 60 إشارة عند بلوغها سن السابعة.
ثانيا…. نقطة التحول مع آن سوليفان (1887 – 1900)
1- لقاء المعجزة: في عام 1887، قرر والداها إيجاد معلم خاص لها، وتم إرسال المعلمة الشابة آن سوليفان (التي كانت تعاني من ضعف نظر جزئي) من مدرسة بيركنز للمتفوقين لتعليم هيلين.
2- الاختراق الكبير: كان اللحظة الفاصلة في حياة هيلين هي عندما قامت سوليفان بوضع يد هيلين تحت الماء المتدفق أثناء تهجئة كلمة “ماء” (W-A-T-E-R) على كفها الأخرى. في هذه اللحظة ربطت هيلين الكلمة المتهجأة بالإحساس المادي، مما فتح لها الباب لاكتشاف العالم والبدء في وضع الأسماء على الأشياء.
3- التعلم: تعلمت هيلين الأبجدية اليدوية ونظام برايل للقراءة والكتابة، واستمرت سوليفان في مرافقتها ومساعدتها في كل مراحل تعليمها.
4- التعليم الثانوي: درست هيلين في مدارس مختلفة للصم، مثل مدرسة رايت للصم (1894-1896)، ثم انتقلت إلى مدرسة للبنات في جامعة هارفارد لإعدادها للدراسة الجامعية.
ثالثا…. سنوات الكلية والإنجازات الأدبية (1900 – 1936)
1-الجامعة: التحقت هيلين بـكلية رادكليف عام 1900 بعد اجتياز الاختبارات. ظلت سوليفان معها، حيث كانت تترجم لها المحاضرات بتهجئة الكلمات في يدها.
2- التخرج: في عام 1904، تخرجت هيلين من رادكليف بتقدير (مع مرتبة الشرف)، لتصبح أول شخص أصم وأعمى يحصل على درجة البكالوريوس في الآداب في الولايات المتحدة.
3- المؤلفات: بدأت الكتابة في سن مبكرة، ونشرت سيرتها الذاتية الشهيرة “قصة حياتي” عام 1903، والتي غطت حياتها حتى سن 21 عامًا تقريباً. من مؤلفاتها الأخرى البارزة: “التفاؤل” (1903) و “العالم الذي أعيش فيه” (1908).
4-النشاط السياسي: انضمت هيلين إلى الحزب الاشتراكي الأمريكي عام 1905، وأصبحت ناشطة بارزة في الأعمال الخيرية ومدافعة عن حقوق الفئات المهمشة.
رابعا… النشاط العالمي والسنوات الأخيرة (1914 – 1968)
1-الناشطة الإنسانية: كرست هيلين حياتها للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وحقوق المرأة، والعمال.
2- مرافقة جديدة: في عام 1914، انضمت بولي طومسون، التي كانت سكرتيرة وتضررت عيناها من إجهاد القراءة لهيلين، إلى هيلين وسوليفان، وحلّت محل سوليفان بعد وفاتها في أكتوبر 1936.
3- التأسيس والعمل الخيري: ساعدت هيلين في تأسيس الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، وأسست منظمة هيلين كيلر الدولية عام 1915، التي تواصل عملها اليوم لمنع العمى وسوء التغذية حول العالم.
4-جولات حول العالم: سافرت هيلين إلى 35 دولة في خمس قارات، والتقت بقادة العالم (مثل ونستون تشرشل وجواهر لال نهرو والعديد من الرؤساء الأمريكيين)، وألهمت الملايين بحديثها، وجمعت ملايين الدولارات لمؤسسة العميان الأمريكية (AFB) التي عملت بها لمدة 44 عاماً.
5- التكريم: حصلت على العديد من الدرجات الفخرية والأوسمة، ومن أبرزها وسام الحرية الرئاسي من الرئيس ليندون جونسون عام 1964.
6- الوفاة: توفيت هيلين كيلر بهدوء في منزلها بتاريخ 1 يونيو 1968، عن عمر يناهز الثمانية والثمانين عاماً. وُضِع رمادها في كاتدرائية واشنطن، بجانب رماد رفيقتي دربها: آن سوليفان وبولي طومسون.
لقد تجاوزت حياة هيلين كيلر، التي امتدت لثمانية وثمانين عاماً، التعريف التقليدي للشخص المصاب بإعاقة، لتصبح نموذجاً عالمياً لقوة الإرادة والإمكانات غير المحدودة للتعلم والنمو. فمن خلال تحديها لصمت وعتمة عالمها الخاص، أثبتت كيلر أن الإعاقة الحقيقية تكمن في العجز عن العطاء وليس في العجز عن الإبصار أو السمع. لم يقتصر إرثها على كونها أول شخص أصم وأعمى يحصل على شهادة جامعية فحسب، بل امتد ليلامس قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وحتى بعد وفاتها في عام 1968، تظل هيلين كيلر مصدر إلهام لجميع الأجيال، مؤكدة أن الأمل والتصميم هما الأدوات القادرة على تحويل أصعب الظروف إلى قصص نجاح خالدة، وأنها نجحت في أن تمنح العالم بصيرة ورؤية لم يتمكّن الظلام من حجبها عنها يوماً.
