بقلم د.نادي شلقامي
تُعد منطقة سانت كاترين في جنوب سيناء بمصر بمثابة قلب روحي وإنساني للعالم، حيث تمثل نقطة تلاقٍ فريدة للحضارات والأديان السماوية الثلاثة. يشهد هذا الموقع التاريخي والجغرافي الاستثنائي على مراحل محورية من تاريخ البشرية، محتضنًا معلمين خالديّن: دير سانت كاترين (دير التجلي المقدس)، الأقدم المأهول في العالم، وجبل الطور (جبل موسى)، الأرض التي كلم عليها نبي الله موسى ربه. يتجاوز دور هذه البقعة حدود الجغرافيا ليصبح منارة للحج الروحي وحفظًا للتراث الإنساني. يستعرض هذا التقرير الأهمية الدينية والتاريخية والسياحية والاقتصادية لهذه المنطقة المقدسة، مؤكدًا على مكانتها العالمية المتجددة في ضوء المشروعات التنموية الطموحة التي تهدف إلى ترسيخها كـ “واحة للسلام” ووجهة سياحية عالمية من الطراز الأول.
الجزء الأول: دير سانت كاترين..
(دير التجلي المقدس)
أولا…الموقع والتاريخ والأهمية الدينية
1- الموقع:
يقع عند سفح جبل موسى (جبل الطور) في مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء، مصر.
2- التاريخ:
يُعد دير سانت كاترين، واسمه الفعلي “دير الله المقدس لجبل سيناء”، من أقدم الأديرة المسيحية المأهولة بشكل مستمر في العالم. شُيّد بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول بين عامي 527 و 565 ميلادية.
3- مكانته الدينية:
سُجل الدير على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2002. وهو وجهة حج رئيسية للمسيحيين من جميع أنحاء العالم.
4- المعالم الرئيسية داخل الدير
أ- كنيسة التجلي (كنيسة العليقة المقدسة): وهي الكنيسة الرئيسية التي تحتوي على شجرة العليقة المقدسة، حيث يُعتقد أن النبي موسى (عليه السلام) كلم ربه عندها. هذه الشجرة هي المعلم الأكثر قداسة في الدير.
ب- مكتبة المخطوطات: يضم الدير ثاني أكبر مكتبة للمخطوطات الأثرية في العالم بعد مكتبة الفاتيكان، حيث تحتوي على آلاف المخطوطات والوثائق النادرة والفرمانات التاريخية بالعديد من اللغات (اليونانية، السريانية، العربية، إلخ)، مما يجعله كنزاً معرفياً وتاريخياً لا يُقدر بثمن.
ج- جامع فاطمي: يضم الدير مسجداً فاطمياً يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وهو شاهد حي على التسامح الديني والتعايش السلمي في المنطقة عبر العصور.
الجزء الثاني: جبل الطور (جبل موسى)
أولا…الأهمية الروحية والوجهة السياحية
1- الأهمية الدينية:
يُعرف الجبل باسم “جبل الطور” أو “جبل موسى” أو “جبل حوريب”، وهو المكان المقدس الذي يُعتقد أن النبي موسى اعتلاه وكلم الله وتلقى الوصايا العشر، مما يجعله مركزاً روحانياً لمليارات البشر حول العالم.
2- تجربة التسلق:
يُعد تسلق جبل موسى تجربة روحية وسياحية فريدة. يحرص الزوار من جميع الجنسيات والديانات على تسلق الجبل ليلاً، إما عبر “درب الصاعدين” أو عبر “سلالم التوبة” التي تتكون من حوالي 750 درجة حجرية، بهدف الوصول إلى القمة قبيل شروق الشمس لمشاهدة مشهد التجلي البصري والروحي الرائع.
3- القمة:
يوجد على القمة كنيسة صغيرة وجامع صغير جنباً إلى جنب، ما يجسد قدسية المكان المشتركة.
الجزء الثالث: الأثر الشامل (الديني والسياحي والاقتصادي)
1- الأثر على الحياة الدينية
1-1- ملتقى الأديان: تُعد سانت كاترين نقطة التقاء فريدة للحضارات والأديان السماوية (الإسلام والمسيحية واليهودية)، مما يعزز رسالة السلام والتعايش العالمي.
1-2- حفظ التراث: يمثل الدير مركزاً أرثوذوكسياً هاماً، وهو حارس لأقدم وأثمن المخطوطات والأيقونات المسيحية في العالم، مما يحافظ على جزء كبير من تاريخ الكنيسة والتراث الإنساني.
1-3- الحج الروحي: المنطقة مقصد للحج والزيارات الروحية والتأمل من قبل مؤمني الأديان الثلاثة، ما يرسخ مكانتها كأرض مقدسة عالمياً.
2- الأثر على الحياة السياحية
2-1- السياحة الدينية العالمية: الدير والجبل هما قاطرة السياحة الدينية في مصر، ويجذبان أفواجاً سياحية ضخمة من مختلف بقاع العالم، مما يضع مصر في صدارة خارطة السياحة الروحية.
2-2- سياحة السفاري والتسلق: تشتهر المنطقة أيضاً بسياحة المغامرات وتسلق الجبال (سياحة السفاري)، والاستمتاع بطبيعة سيناء البدوية البكر والوديان الصخرية.
2-3- المشاريع التنموية (مشروع التجلي الأعظم): أطلقت الحكومة المصرية مشروع “التجلي الأعظم فوق أرض السلام” لتطوير مدينة سانت كاترين بتكلفة تقدر بمليارات الجنيهات. يهدف هذا المشروع إلى تحويل المنطقة إلى “واحة للسلام وملتقى الأديان السماوية” ووجهة سياحية عالمية لا غنى عنها، مما سيعزز من قدرتها على استقبال المزيد من الزوار على مدار العام.
3- الأثر على الحياة الاقتصادية
3-1- الدخل القومي: تساهم السياحة في سانت كاترين بشكل مباشر في زيادة الإيرادات السياحية لمصر ودعم العملة الصعبة.
3-2- التنمية المحلية: توفير فرص عمل مستدامة للسكان المحليين، خاصة من البدو، الذين يعمل معظمهم في الخدمات السياحية وإرشاد الزوار، مما يحقق تنمية مجتمعية في المنطقة المعزولة.
3-3- الاستثمار: مشروع “التجلي الأعظم” يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في البنية التحتية والفنادق والخدمات، لرفع الطاقة الاستيعابية للمنطقة وجعلها وجهة عالمية المستوى، مما سيضاعف الأثر الاقتصادي محلياً وعالمياً.
في الختام، تتجلى منطقة سانت كاترين بأسرها – ديرًا وجبلًا ووديانًا – كـ شهادة حية على إمكانية التعايش والسلام بين مختلف العقائد والثقافات، وكأحد أغنى المواقع التراثية والروحانية في العالم. إن دير التجلي، بمكتبته التي لا تُقدر بثمن ومسجده الفاطمي الشاهد على التسامح، وجبل الطور، بقمته التي تتوج تجربة الحج الروحي، يمثلان قوة جذب سياحي وديني واقتصادية هائلة لمصر. ومع إطلاق مشروع “التجلي الأعظم فوق أرض السلام”، تستعد سانت كاترين للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية المستدامة والوصول العالمي، مما يضاعف من مساهمتها في الدخل القومي ويوفر فرصًا تنموية للمجتمع المحلي، مؤكدة بذلك مكانتها الأبدية كـ “أرض مقدسة” وملتقى عالمي للأرواح الباحثة عن السلام والسكينة.
