تقرير/ نهاد عادل
يُعد الفنان أحمد إبراهيم واحدًا من أبرز الأصوات المصرية التي كرّست حياتها للحفاظ على هوية الموسيقى العربية وإعادة تقديمها بروح معاصرة مستندًا إلى موهبة أصيلة ودراسة أكاديمية رفيعة وخبرة فنية ممتدة لعقود.
وُلد أحمد إبراهيم في القاهرة عام 1961 ونشأ في بيئة كانت الموهبة فيها حاضرة منذ الطفولة. كان والداه أول من انتبه إلى تميّزه الصوتي خاصة مع شغفه المبكر بتلاوة القرآن الكريم والابتهالات الدينية للشيخ نصر الدين طبار. تأثر في طفولته بصوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد وكان يقلده بإتقان حتى أصبح معروفًا في مدرسته الإعدادية بتلاوته للقرآن في الفترتين الصباحية والمسائية.
ورغم أمنيته في الالتحاق بالأزهر ليصبح مبتهلًا دينيًا حالت الظروف دون ذلك لتتجه موهبته نحو مسار آخر لا يقل قدسية وجمالا الموسيقى العربية.
قد بدأ الدراسة والتكوين الأكاديمي
بتوجيه من الموسيقار عبدالحليم نويرة حيث التحق بمعهد العالي للموسيقى العربية القسم الثانوي قسم الألات تخصص عود بالمعهد العالي للموسيقى العربية وحصل على الثانوية الموسيقية ثم بكالوريوس المعهد العالي للموسيقى العربية ثم حصل على دبلوم الدراسات العليا ثم حصل درجة الماجستير من أكاديمية الفنون في فنون الموسيقى العربية. وقد ناقش رسالة ماجستير بعنوان:
«تنمية مهارات الارتجال لدارسي العود من خلال الموال عند محمد عبدالوهاب»
ثم حصل على درجة الدكتوراه من المعهد العالي للموسيقى العربية بأكاديمية الفنون عن أول رسالة دكتوراه عن الموسيقار محمد فوزي بعنوان “توظيف ألحان محمد فوزى فى تعليم ألة العود للمبتدئين بالمعهد العالي للموسيقى العربية”
ما يعكس عمق انشغاله بالتراث الموسيقي علميًا وتطبيقيًا.
كانت انطلاقته الحقيقية من خلال فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو حسين جنيد. ولاحقًا لفت صوته انتباه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب الذي تبناه فنيًا وإنتاجيًا عبر شركة صوت الفن وأنتج له عددًا من الأغاني الناجحة من بينها:
ما تبصيش في الساعة
عرفتوا بحبه ليه
ماخبيش عليك
كما يُعد أحمد إبراهيم آخر اكتشافات الموسيقار محمد الموجي الذي كان أول من لحن له.
وقد تم اعتماد صوته مطربًا في اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري دون اختبار في سابقة تعكس الثقة الكبيرة في إمكاناته الصوتية والفنية.
لم تقتصر مسيرته على الغناء فقط بل امتدت إلى التمثيل والتلحين، حيث شارك في عدد كبير من المسلسلات التليفزيونية، غناءً وتمثيلًا، من أبرزها:
أماكن في القلب – الهاربة – بيت الجمالية – حرث الدنيا – فرط الرمان – أبو حنيفة النعمان – عصر الأئمة – الإمام مسلم.
كما قدّم بصوته الأغاني الشهيرة لفيلم النمر الأسود، مثل:
إتقدم – شايلك في قلبي وفاكرك يا مصر – إتفتح الباب وحققت نجاحًا مستمرًا حتى اليوم لما حملته من صدق درامي وانتماء وطني.
وعلى خشبة المسرح شارك في بطولة أكثر من عشرين مسرحية غنائية، من بينها:
إيزيس – الست هدى – سهرة العمر – الجوازة دي مش لازم تتم – هز الهلال يا سيد.
كما قدّم جميع شخصيات مسرحية العرائس “الليلة الكبيرة” بعد تحويلها إلى باليه، بإخراج الراحل عبدالمنعم كامل.
تحمّل أحمد إبراهيم مسؤولية وطنية كبيرة حين شغل منصب مدير عام الإدارة العامة للموسيقى حيث قاد مشروعًا لإحياء التراث الموسيقي العربي اعتمادًا على حفظه الواسع لتراث القرنين التاسع عشر والعشرين.
أسهم في تسجيل هذا التراث للمكتبة الموسيقية المسموعة والمرئية وشارك في معظم دورات مهرجان الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية وتم تكريمه في دورته التاسعة عشرة.
كما أشرف على أكثر من 50 فرقة موسيقى عربية وإنشاد ديني من الهواة ونظم مهرجانات كبرى لتكريم رموز الموسيقى مثل:
سيد درويش – محمد عبدالوهاب – زكريا أحمد بهدف اكتشاف المواهب والحفاظ على القوالب الغنائية الأصيلة كالدور والموشح والطقطوقة والمنولوج.
يرى أحمد إبراهيم أن تراجع مستوى الغناء يعود إلى غياب المنتج الفنان وضرب مثالًا بشركة صوت الفن التي كانت توازن بين القيمة الفنية والنجاح التجاري. كما انتقد الإفراط في استخدام التكنولوجيا التي تعالج عيوب الأصوات معتبرًا أنها تحولت من نعمة إلى لعنة وأفرزت أصواتًا بلا موهبة حقيقية.
حصل أحمد إبراهيم على ثماني جوائز من خمسة مهرجانات دولية من بينها الجائزة الذهبية للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون تقديرًا لعطائه الفني ودوره في صون الهوية الموسيقية العربية.
يظل الفنان أحمد إبراهيم نموذجًا للفنان المثقف الذي جمع بين الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية وبين الإبداع والحفاظ على التراث ليصبح أحد الأعمدة الحقيقية في مسيرة الموسيقى العربية في العصر الحديث.
