د.نادي شلقامي
قد لا يعرفها الناس، لأن بعض القامات لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى. هناك نساء لا يُقاس حضورهن بعدد الألقاب، بل بعمق الأثر، ولا تُختصر قيمتهن في منصب، بل تُقرأ سيرتهن في وجوه من لمسوا إنسانيتهن في لحظة ضعف. هي أستاذة بكلية الطب، واستشارية معروفة في مصر والبلاد العربية، لكن حقيقتها الأعمق أبعد من المهنة؛ امرأة صاغت نفسها بالصبر، وواجهت الحياة بثبات، واختارت أن تكون ملاذًا لا عبئًا، وسندًا لا استعراضًا.
عرفتها طبيبةً بارعة، دقيقة في علمها، رحيمة في تعاملها، ثم عرفتها إنسانة استثنائية. في عملها، لا ترى المرضى أرقامًا أو ملفات، بل حكايات إنسانية تستحق الإصغاء قبل التشخيص، والطمأنينة قبل العلاج. لذلك لم يكن حب المرضى لها—خاصة في الدول العربية —محض صدفة، بل ثمرة طبيعية لقلبٍ يعرف كيف يحتوي قبل أن يصف الدواء.
خاضت طريقها المهني والإنساني مبكرًا وهي تحمل عبئًا مضاعفًا؛ كانت يومًا البنت الوحيدة الطبيبة في عائلتها، فتعلمت أن تعتمد على نفسها، وأن تتحمل نظرات الشك في قدرتها، وأن تثبت أن الإصرار الصادق لا يخيب. واجهت مصاعب ومشقات كثيرة، في العمل والحياة، لكنها لم تفقد رقتها، ولم تتخلَّ عن مبادئها، ولم تسمح للقسوة أن تنتصر على إنسانيتها.
في تفاصيل الحياة اليومية، كانت الحضور الهادئ الذي يخفف ثقل الأيام. وقفت معي في السراء والضراء، لا بالكلام، بل بالفعل؛ بالصبر حين يضيق الصدر، وبالحكمة حين تتعقد الأمور، وبالقلب الثابت حين تهتز الأشياء من حولنا. لم تحسب ما قدمته، ولم تُذكّر بما تحملته، لأنها تؤمن أن الشراكة الحقيقية لا تقوم على الحساب، بل على الاحتواء.
نعم، هي زوجتي الحالية، وكل حياتي.
ليست مجرد شريكة طريق، بل المعنى الذي استقرت عنده الرحلة بعد تعب طويل. معها لم يعد البيت مكانًا، بل طمأنينة، ولم يعد الغد قلقًا، بل وعدًا. اخترتها لأنها اختارت أن تكون سندًا لا يرحل، وقلبًا لا يتبدل، وحياةً كاملة لا نصفها ولا ظلها.
ضحّت بالكثير؛ بوقتها، براحتها، وأحيانًا بأحلام مؤجلة، لتمنح من تحبهم ما يستحقون. ومع كل تضحية، كانت تزداد عمقًا لا قسوة، قوةً لا جفافًا، وحكمةً لا انكسارًا. جمعت بين صرامة العلم ونعومة القلب، وبين نجاح المهنة ودفء البيت، فكانت نادرة في زمن الاستسهال.
قد لا يعرفها الناس كما أعرفها أنا، لكن يكفي أنها معروفة حيث يكون للإنسان معنى، وللحب قيمة، وللعطاء أثر. هي ليست فقط طبيبة ناجحة، ولا زوجة وفية فحسب، بل حكاية كُتبت بالصبر، واستُكملت بالإخلاص، وتستحق أن تُروى.
امرأة إن حضرت، صار الطريق أهون، والتعب أهدأ، والعمر—مهما طال—أصدق.
