كتبت: هبه فهمي
الغضب ليس مجرد شعور عابر، بل هو سحابة سوداء ثقيلة تجثم على سماء العقل، تحجب نور البصيرة وتلقي بظلالها الكثيفة على نقاء الروح. إنه زلزال داخلي يوقظه الإحساس العميق بالظلم أو لسعة الإهانة أو غدر الخيانة، فإذا به نار تلظى تأكل صاحبها قبل أن تطال الآخرين.
وما أشد عواقب هذا الاحتراق! فالغضب الجامح، حين ينسل من قيود الحكمة، يتحول إلى طوفان يغرق سفينة الإدراك. في تلك اللحظة الفاصلة، يصبح الإنسان مجرّد آلة تتحرك بوقود الانفعال، تتخذ قرارات لا يصدرها إلا الجنون. وكم من مأساة حُفرت في ذاكرة الزمن بسبب لحظة غضب أعمى؛ كأن تتحول الأم التي هي مصدر الأمان إلى أداة للانتقام، لتزهق روحاً بريئة في سبيل شجار طفولي عابر، مُثبتة أن الغضب حين يعتلي العرش، لا يترك خلفه سوى الخراب والجثث الباردة.
لكنّ الويل ليس قدراً محتوماً! فمهما اشتدت عاصفة الغضب، يجب أن نتذكر أن مشنقة العقل ليست أبداً حلاً. إن خلاصنا يكمن في سحب البساط من تحت أقدام العنف، والبحث المضني عن أرضية الحوار الآمنة، والعودة إلى منابر التفاهم الحضاري لحل النزاعات.
إذا أحسست بلهيب الغضب يزحف في عروقك، فليكن قرارك الأول هو الانسحاب إلى صومعة الهدوء. خذ نفساً عميقاً يزيح ركام اللحظة، وتأمل في مصير الأفعال قبل ولادتها. وإذا عجزت عن ترويض هذا الوحش الداخلي بمفردك، فلا تخجل من مد يدك نحو المستشار أو المعالج النفسي؛ فهو المصباح الذي يرشدك إلى بئر السلام الداخلي.
في الختام، الغضب هو جزء أصيل من تركيبتنا البشرية، كشعلة يمكن أن تضيء أو تحرق. لكنّ العبرة ليست في وجود الشعور، بل في كيفية إمساكنا بزمامه. لنتعلم أن نحول طاقة هذا الانفعال العنيف إلى قوة بناء، من خلال:
التأمل: ليصبح مرساة الروح في بحر الهيجان.
الاسترخاء: ليعيد لجسمنا إيقاعه الطبيعي المسالم.
التركيز على النعم: لنسقط ستار السخط ونرى نور الإيجابيات.
فلنجعل من الغضب درساً نتعلم منه، لا حكماً يُؤذي انفسنا والآخرين.
