بقلم: جمال حشاد
تُعد الدراما المصرية واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في العالم العربي، إذ تمتلك تاريخًا ممتدًا لعقود طويلة شكّل جزءًا كبيرًا من الوعي الجمعي للمشاهدين. ولم يكن تأثيرها مقتصرًا على الترفيه فقط، بل تجاوز ذلك ليصبح عنصرًا فاعلًا في تكوين الذوق العام وتوجيهه، سواء على مستوى اللغة أو القيم أو الاهتمامات الثقافية والاجتماعية.
أولاً: الدراما كمرآة للواقع:
منذ بداياتها، نجحت الدراما المصرية في تقديم صورة قريبة من حياة الناس، تعكس قضاياهم ومشكلاتهم اليومية. هذا الارتباط بالواقع منحها قدرة كبيرة على التأثير، لأن المشاهد يجد فيها نفسه ويشعر بأنها تعبّر عنه. ومع تحوّل الأعمال الدرامية إلى مادة تُناقش القيم والسلوكيات، أصبح لها دور مهم في تشكيل نظرة الناس للأحداث والشخصيات والنماذج الاجتماعية المختلفة.
ثانيًا: تغيير الذوق الفني والجمالي:
أسهمت الدراما المصرية في رفع مستوى الذوق العام من خلال:
تقديم أحداث مكتملة البناء الفني، مما جعل المشاهد يعتاد على متابعة أعمال ذات مستوى عالٍ من الكتابة والإخراج.
انتشار اللهجة المصرية التي أصبحت مفهومة عربيًا لأنها مرتبطة بأعمال درامية محبوبة.
تقديم موسيقى تصويرية وديكورات وأزياء متقنة ساعدت على ترسيخ معايير جديدة للجماليات البصرية.
وفي المقابل، شهدت بعض المراحل تراجعًا أدى إلى ظهور أعمال أقل جودة، ما انعكس سلبًا على الذوق العام وأحدث انقسامًا بين ما يفضّله الجمهور وما يقدّمه صانعو الدراما.
ثالثًا: دور الدراما في التوعية وتغيير السلوك:
قدمت الدراما المصرية عبر تاريخها أعمالًا مؤثرة نجحت في تغيير سلوكيات المجتمع، ومن أبرز ملامح ذلك:
طرح قضايا اجتماعية مثل الإدمان، العنف الأسري، وأزمات التعليم، مما ساعد على فتح حوارات مجتمعية واسعة.
تصحيح صور نمطية أو إضافة عمق إنساني لشخصيات غالبًا ما كانت تُقدَّم بصورة سطحية.
تعزيز القيم الإيجابية مثل التضامن، احترام القانون، وقيمة التعليم والعمل.
وقد ساعدت هذه الأعمال في توجيه الذوق العام نحو تقدير الدراما الهادفة، ودعم الأعمال التي تحمل رسالة اجتماعية واضحة.
رابعًا: تأثير نجوم الدراما على الجمهور:
لا يمكن تجاهل تأثير الممثلين أنفسهم في تشكيل الذوق العام، إذ يصبح بعضهم قدوة لدى الشباب في طريقة حديثهم وملابسهم وحتى رؤيتهم للحياة. وهذا يُظهر القوة الرمزية للدراما باعتبارها ليست مجرد محتوى ترفيهي بل وسيلة تأثير ثقافي وسلوكي.
خامسًا: الدراما الجديدة بين الواقع والابتكار:
في السنوات الأخيرة، شهدت الدراما المصرية تجديدًا في الأساليب الفنية والإنتاجية، مع دخول منصات العرض الرقمية وتنوع الموضوعات. هذا التطور ساهم في إعادة صياغة الذوق العام، وخلق جمهور جديد يبحث عن أعمال ذات حبكات أسرع وجودة أعلى، مما دفع الصناعة إلى الارتقاء بمستوى الإنتاج.
تؤكد التجربة المصرية أن الدراما ليست مجرد وسيلة لملء وقت الفراغ، بل قوة مؤثرة قادرة على تشكيل الوعي وتوجيه الذوق العام. ونجاحها في القيام بهذا الدور يتوقف على مدى التزام صناعها بالقيم الفنية الراقية، وقدرتهم على موازنة الترفيه بالرسالة الهادفة. وفي ظل التغيرات المتسارعة في المجتمع، ستظل الدراما المصرية أحد أهم محركات الذوق العام ومرايا التعبير عن الإنسان المصري والعربي.
