دارين محمود
في قلب “سيليكون فالي” بكاليفورنيا، وتحديداً بين أروقة جامعة ستانفورد العريقة، يتردد اسم الدكتور عباس الجمل كأحد أعظم عقول الهندسة الكهربائية في العصر الحديث. ومع فوزه الأخير بجائزة “نوابغ العرب” لعام 2025 في فئة الهندسة والتكنولوجيا، يتجدد الضوء على مسيرة عالم مصري لم يكتفِ بنيل الدرجات العلمية، بل أعاد صياغة الطريقة التي نتفاعل بها مع التكنولوجيا اليوم.
من القاهرة إلى قمة “ستانفورد”
بدأت الحكاية من جامعة القاهرة، حيث تخرج الشاب الطموح عام 1975، محملاً بأحلام تتجاوز الحدود. انتقل إلى الولايات المتحدة ليحفر اسمه في واحدة من أصعب التخصصات العلمية. لم يكن الجمل مجرد أكاديمي، بل كان جسراً بين النظرية الرياضية المعقدة والتطبيق الصناعي الملموس.
ثالوث الابتكار: كيف غيّر حياتنا؟
قد لا يعرف الكثيرون أن الدكتور عباس الجمل هو “الجندي المجهول” خلف العديد من التقنيات التي نلمسها يومياً:
* عيون الهواتف الذكية: لولا أبحاثه في مستشعرات الصور (CMOS)، لما حظينا بالكاميرات عالية الدقة في جيوبنا اليوم. لقد ساهم في تحويل التصوير الرقمي من معدات ضخمة ومكلفة إلى شريحة صغيرة تستهلك القليل من الطاقة وتنتج صوراً مذهلة.
* ذكاء الشبكات: كتابه “Network Information Theory” يُعتبر بمثابة “الإنجيل التقني” لمهندسي الاتصالات. فيه وضع القواعد التي تحدد كيف يمكن لملايين الهواتف أن تتواصل في آن واحد دون أن تنهار الشبكة.
* مرونة الحواسيب: مساهماته في تقنية الـ (FPGA) منحت المهندسين القدرة على إعادة برمجة الدوائر الإلكترونية بعد تصنيعها، مما سرّع من وتيرة ابتكار الأجهزة الطبية، والأنظمة الدفاعية، وتقنيات الفضاء.
“نوابغ العرب” .. تكريم تأخر لسنوات
يأتي تكريمه بجائزة “نوابغ العرب” في ديسمبر 2025 ليكون رسالة للأجيال الجديدة. الجائزة التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لم تكن مجرد مكافأة مالية، بل هي احتفاء برمز عربي أثبت أن التفوق في العلوم الدقيقة هو السبيل الوحيد لاستعادة الريادة الحضارية.
خلاصة المسيرة
عباس الجمل ليس مجرد باحث حصل على “جائزة شانون” (نوبل الاتصالات) أو عضو في الأكاديمية الوطنية للهندسة؛ بل هو نموذج للمبتكر الذي جمع بين الريادة في الأعمال (بتأسيس شركات ناجحة) والتميز الأكاديمي والتأثير الإنساني.
إن قصة الدكتور عباس تخبرنا أن “البيانات” و”الإشارات” ليست مجرد أرقام صماء، بل هي اللغة التي نكتب بها مستقبل البشرية، وهو بلا شك أحد أمهر كتاب هذه اللغة.
