بقلم: أحمد رشدي
في هذه السلسلة سرنا معًا في دروب الاستقامة، بدأنا بمحاسبة النفس لأنها الميزان الأول، ثم وقفنا أمام الظلم وخطورته، وتعلّمنا أن الاستغفار باب النجاة، وأن برّ الوالدين أصل البركة، وأن جبر الخواطر عبادة خفية، وأن العمل شرف وعبادة، وأن الصدق أساس كل خير، وأن حب الخير للناس علامة صفاء القلب. واليوم نقف عند خُلُقٍ يهدم كل ما سبقه إن تسلل إلى النفس،
خُلُقٍ إذا استوطن القلب أفسد الإيمان، وبدّد الثقة، وقطع أوصال العلاقات، إنه الخيانة.
الخيانة ليست مجرد فعل ظاهر، بل انكسار داخلي، وانحراف في الضمير قبل أن يكون انحرافًا في السلوك.
هي خذلان للأمانة، ونقض للعهد، وسقوط في ميزان القيم. وقد جاء التحذير منها صريحًا في كتاب الله حين قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فجعل الخيانة على مراتب، أخطرها خيانة الله ورسوله، ثم خيانة الأمانات التي استُؤمِن عليها الإنسان.
والخيانة ليست محصورة في المال أو العهد الظاهر، بل قد تكون في الكلمة، وفي السر، وفي الموقف، وفي الثقة التي يمنحها لك إنسان ظنًّا منه أنك أهل لها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، فجعل الخيانة علامة على خلل الإيمان، ودليلًا على مرض في القلب، لا مجرد زلّة عابرة.
ويرى العلماء أن الخيانة أخطر من الخطأ، لأن الخطأ قد يكون عن ضعف أو جهل، أما الخيانة فهي وعي واختيار. ولذلك فإن أثرها في النفوس بالغ، فهي تقتل الطمأنينة، وتزرع الشك، وتهدم جسور الثقة بين الناس، وتجعل القلوب في حذر دائم.
وقد أجمع أهل الحكمة على أن المجتمعات لا تنهار من قلة الموارد، بل من انعدام الأمانة، فإذا ضاعت الثقة سقط كل شيء بعدها.
ومن زاوية نفسية، فإن الخيانة تُفسد صاحبها قبل أن تؤذي غيره، لأنها تُدخل الإنسان في صراع داخلي دائم، وتحرمه من راحة الصدق، وتجعله أسير التبرير والتلون.
فالخائن لا يعيش مطمئنًا، بل يظل خائفًا من انكشاف أمره، مضطرب القلب، فاقد السلام. ولهذا كانت الأمانة راحة، وكانت الخيانة عبئًا ثقيلاً على النفس مهما حاول صاحبها التبرير.
والإسلام حين حرّم الخيانة لم يترك باب التوبة مغلقًا، بل فتحه لكل من عاد وصدق، لكنّه في الوقت ذاته شدّد على خطورتها، لأنها تهدم ما تبنيه الفضائل كلها. فالصدق لا يستقيم مع الخيانة، وحب الخير لا يعيش معها، والاستقامة لا تجتمع معها في قلب واحد.
استقيموا يرحمكم الله، فالأمانة نور، والخيانة ظلمة، ومن حفظ الأمانة حفظه الله، ومن خان ضيّع نفسه قبل أن يضيّع غيره. اجعلوا الصدق درعكم، والوفاء خُلُقكم، ولا تجعلوا دنيا زائلة تهدم ما بنيتموه من ثقة وكرامة، فإن الله لا يحب الخائنين، ويحب من إذا اؤتمن أدّى، وإذا وعد وفى، وإذا عاهد صدق.
