بقلم: د. نادي شلقامي
في الثالث من أكتوبر عام 1993، استيقظت العاصمة الصومالية مقديشو على دوي انفجارات لم تكن مجرد اشتباك عابر في حرب أهلية طاحنة، بل كانت بداية لواحدة من أعنف المواجهات الحضرية في التاريخ العسكري الحديث. معركة “مقديشو” أو “سقوط الصقر الأسود”، لم تكن مجرد انكسار عسكري للنخبة الأمريكية، بل كانت زلزالاً سياسياً أعاد صياغة قواعد التدخل الدولي في القارة الأفريقية.
بدأت العملية العسكرية التي حملت الاسم الكودي “عصا القوت” (Gothic Serpent) بهدف محدد وخاطف: اعتقال “عمر صلاد” و”محمد حسن عوالي”، المستشارين البارزين لأمير الحرب الصومالي محمد فرح عيديد. كانت التقديرات الاستخباراتية الأمريكية تشير إلى عملية جراحية لن تستغرق أكثر من 60 دقيقة، تعتمد على عنصر المفاجأة والإنزال الجوي السريع لقوات “دلتا” و”رينجرز” في قلب معقل عيديد.
لم تسر الأمور وفق المخطط؛ فبمجرد هبوط القوات، تحولت شوارع مقديشو المكتظة إلى مصيدة مميتة. نقطة التحول الدراماتيكية كانت نجاح الميليشيات الصومالية في إسقاط مروحية “بلاك هوك” (Super 6-1) بواسطة قذيفة RPG-7. هذا الحادث لم يسقط طائرة فحسب، بل أسقط الخطة بأكملها، حيث تحولت المهمة من “اعتقال” إلى “إنقاذ” تحت نيران جحيمية.
وتفاقمت الأزمة مع سقوط مروحية ثانية (Super 6-4)، ليدخل الجنود الأمريكيون في حصار ليلي مرير داخل أحياء المدينة الضيقة، واجهوا خلاله آلاف المسلحين والمدنيين الغاضبين في حرب شوارع من “بيت لبيت”، قبل أن تتدخل قوة دولية مدرعة من باكستان وماليزيا وفجر اليوم التالي لفك الحصار في مشهد تراجيدي.
كشفت الحصيلة النهائية عن حجم المأساة؛ فقد فقد الجانب الأمريكي 19 جندياً من خيرة قوات النخبة وأصيب أكثر من 70 آخرين. وفي المقابل، دفع الجانب الصومالي ثمناً باهظاً، حيث تباينت التقديرات حول سقوط ما بين 300 إلى 1000 قتيل، في حين قدمت قوات الأمم المتحدة (الباكستانية والماليزية) تضحيات بشرية ومادية خلال عملية الإجلاء المعقدة.
يرى الخبراء العسكريون أن المعركة كشفت عن “عقدة الغرور التكنولوجي”، حيث برزت عدة أخطاء تكتيكية فادحة:
* تكتيكات الـ RPG: الاستهانة بقدرة الميليشيات على تطوير أساليب بدائية لإسقاط أحدث المروحيات.
* الفشل الاستخباراتي: سوء تقدير سرعة الحشد الشعبي ورد فعل الحاضنة الاجتماعية لعيديد.
* غياب الغطاء الثقيل: إرسال قوات النخبة في عربات “هامفي” غير محصنة ودون غطاء من الدبابات، مما جعلهم أهدافاً سهلة في الأزقة الضيقة.
لم تكن نهاية المعركة بانسحاب الرتل المدرع، بل كانت بداية لانسحاب سياسي شامل. أدت الضغوط الشعبية والسياسية في واشنطن إلى استقالة وزير الدفاع الأمريكي آنذاك “لس بين”، وأجبرت الرئيس بيل كلينتون على سحب القوات من الصومال في عام 1994.
تظل معركة مقديشو درساً قاسياً يُدرس في الأكاديميات العسكرية؛ فهي المعركة التي أثبتت أن التفوق التكنولوجي المطلق قد يتحطم على صخرة الحروب الحضرية، وأن “الصقر الأسود” الذي سقط في أزقة مقديشو، سقط معه عصر التدخل العسكري المباشر غير المحسوب في القارة السمراء.
