بقلم البروفيسوره /روحيه الشريف
أستاذ الأمراض الروماتيزمية والمناعية بكلية الطب جامعة المنيا واستشارية الأمراض الروماتيزميه والمناعية بمستشفي سلامات بالمملكة العربية السعودية
نداء الألياف الصامت ليس مجرد إرهاق، وليس مجرد إجهاد عابر؛ إن التهاب العضلات المتعدد هو حالة يقرر فيها جهازك المناعي بشكل غامض أن يهاجم منبع قوتك وحركتك. تبدأ الرحلة بوهن بسيط في النهوض أو الحركة، لكن خلف هذا الوهن تكمن قصة طبية تتطلب الفهم والمواجهة لاستعادة حيوية الجسد وقدرته على العطاء.
أولا… ما هو التهاب العضلات المتعدد؟
هو مرض مناعي ذاتي نادر ومزمن، يؤدي إلى التهاب الألياف العضلية وتلفها. يركز هذا المرض هجومه بشكل أساسي على العضلات الدانية (أي القريبة من جذع الجسم)، مثل عضلات الكتفين، الفخذين، والرقبة، ويتميز بأنه يصيب جانبي الجسم بشكل متماثل تماماً.
ثانيا…. الأعراض: كيف تكتشف الضعف؟ وما هي المؤشرات التي تجعل المريض يتوجه لعياده الروماتيزم؟
1- صعوبات الحركة اليومية: تجد صعوبة متزايدة في رفع ذراعيك لتمشيط شعرك، أو صعود السلالم، أو النهوض من وضعية الجلوس.
أ- وهن عضلات الرقبة: صعوبة في رفع الرأس عن الوسادة عند الاستيقاظ.
ب- عسر البلع: ضعف عضلات المريء قد يؤدي إلى غصات متكررة أثناء الأكل.
2- التعب العام: شعور مستمر بالإرهاق وفقدان الوزن والكتلة العضلية.
ثالثا… التأثير على عضلات التنفس (المضاعفات الحيوية)
تعد عضلات التنفس من أهم العضلات التي قد تتأثر بهذا المرض، وهو ما يتطلب انتباهاً طبياً دقيقاً، حيث يحدث الآتي:
1- ضعف الحجاب الحاجز: هو المحرك الرئيسي للشهيق والزفير. عندما يضعف، يصبح التنفس مجهداً وسطحياً، مما يؤدي لضيق التنفس (Dyspnea) خاصة عند الاستلقاء أو بذل مجهود بسيط.
2- فشل “خط الدفاع” (السعال): السعال القوي ضروري لتنظيف الرئتين. ضعف العضلات الصدرية يجعل السعال ضعيفاً، مما يؤدي لتراكم الإفرازات والبلغم، ويزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بـ التهابات الرئة البكتيرية.
3التهاب الرئة الخلالي (ILD): في بعض الحالات، يمتد الهجوم المناعي من العضلات إلى نسيج الرئة نفسه، مما يسبب تليفاً يقلل من مرونة الرئتين وقدرتهما على تبادل الأكسجين.
رابعا…. التشخيص؟
يعتمد طبيب الروماتيزم على مجموعه من الفحوصات:
1- تحليل الإنزيمات العضلية ومنها (CPK. LDH. Sgpt. Sgot. Aldolase): يرتفع بشكل هائل عند حدوث تلف في العضلات.
2- تخطيط العضلات الكهربائي (EMG): لدراسة النشاط الكهربائي واكتشاف الخلل الالتهابي.
3- خزعة العضلات: وهي “القول الفصل”، حيث يتم فحص عينة مجهرية للتأكد من وجود الخلايا الالتهابية المناعية.
4- اختبارات وظائف الرئة: لتقييم مدى تأثر عضلات التنفس وكفاءة الرئتين.
خامسا… رحلة العلاج واستعادة التوازن.
رغم أنه مرض مزمن، إلا أن السيطرة عليه ممكنة جداً عبر:
1- مثبطات المناعة والكورتيزون: لتهدئة الهجوم المناعي ومنع تدمير المزيد من الألياف العضلية.
2- العلاجات البيولوجية: تُستخدم في الحالات التي لا تستجيب للعلاجات التقليدية.
3- العلاج الطبيعي والتنفسي: تمارين مخصصة لتقوية عضلات التنفس والحفاظ على مرونة المفاصل والعضلات الحركية.
رسالة طمأنينة
إن تشخيص التهاب العضلات المتعدد ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لمرحلة جديدة من الرعاية الذاتية الواعية. الخبر السار هو أن العلم الطبي قد قطع شوطاً كبيراً، ومع العلاج والالتزام، يستطيع معظم المصابين استعادة قوتهم، والتحكم في أعراض التنفس، والعودة لممارسة أنشطتهم المفضلة. تذكر أن كل شهيق تأخذه هو خطوة نحو التعافي، وأن الدعم الطبي والأسري هو وقودك في هذه الرحلة.
