محمد غريب الشهاوي
ليس كل من التقاك عرفك،
ولا كل من تحدث معك أدرك قيمتك،
فالمعرفة الحقيقية لا تُولد من لقاء عابر، ولا تُختصر في انطباع سريع.
في زمنٍ باتت فيه الأحكام تُصدر قبل الفهم، أصبح بعض الناس يُقيّمون الآخرين من ظاهرٍ لا يعكس عمقًا، ومن موقفٍ واحد لا يحكي سيرة. يُصدرون أحكامهم بثقة، وكأنهم كانوا شهودًا على سنوات الجهد، ومحطات التعب، وخيارات الصمت التي سبقت كل إنجاز.
إن أصحاب الكفاءة الحقيقية غالبًا ما يعملون في هدوء. لا يرفعون أصواتهم طلبًا للاعتراف، ولا يستعرضون خبراتهم في كل موضع، لأنهم يدركون أن القيمة لا تحتاج إلى إعلان، وأن الإتقان أبلغ من أي حديث.
وهنا يتجلى الفرق الواضح بين من يسعى إلى الظهور، ومن يُتقن الحضور عند الحاجة.
بين من يُكثر الكلام، ومن يزن كلماته لأنها نابعة من تجربة، لا من رغبة في لفت الانتباه.
قد تواجه في طريقك من لا يعرف مستواك المهني، فيتعامل معك بتقليل أو استخفاف، لا لعيبٍ فيك، بل لنقصٍ في رؤيته. فليس كل الناس تملك القدرة على القراءة بين السطور، ولا كل العقول تدرك أن الصمت أحيانًا دليل وعي، لا علامة ضعف.
واللافت أن أكثر الناس تعرضًا لسوء الفهم، هم غالبًا أكثرهم التزامًا. أولئك الذين آمنوا بأن العمل الجاد لا يحتاج إلى تبرير، وأن الإنجاز الحقيقي يفرض نفسه ولو بعد حين.
ليس من واجبك أن تُعرّف بنفسك لمن لم يسعَ إلى معرفتك،
ولا أن تُثبت قيمتك لمن لم يمتلك أدوات تقديرها.
دعهم يجهلون مستواك المهني،
فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بانطباع عابر،
ولا تُحدَّد بحكمٍ متسرّع، بل تظهر في المواقف، وتبقى حين يزول الضجيج.
لو حابب:
