بقلم : جمال حشاد
شهدت الكتابة الإبداعية والسرد الأدبي تحوّلًا جذريًا في العقود الأخيرة، نتيجة التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية وظهور المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. لم تعد الكتابة حبيسة الورق أو النشر التقليدي، بل أصبحت عملية تفاعلية مفتوحة على جمهور عالمي، تتداخل فيها الصورة والصوت والفيديو مع النص المكتوب. هذا التحول فرض على الكاتب المعاصر تحديات جديدة، لكنه في الوقت ذاته أتاح فرصًا غير مسبوقة لتجديد أدوات السرد وتطوير أساليبه؛ وقد استطاع محرر جريدة ” حديث وطن ” من سرد وتجميع هذه الأدوات فيما يلى :
أولًا: التحول من السرد الخطي إلى السرد التفاعلي:
كان السرد الكلاسيكي يعتمد على خط زمني واضح وبنية ثابتة (بداية – عقدة – نهاية). أما في العصر الرقمي، فقد ظهرت أشكال جديدة مثل:
السرد غير الخطي: حيث يمكن للقارئ التنقل بين المقاطع وفق اختياراته.
السرد التفاعلي: الذي يمنح المتلقي دورًا في تشكيل مسار القصة، كما في القصص الرقمية والألعاب السردية.
هذا التحول يدفع الكاتب إلى التفكير في القارئ بوصفه شريكًا في التجربة السردية، لا مجرد متلقٍ سلبي.
ثانيًا: المنصات الرقمية كحاضنة للتجريب:
وفّرت المنصات الرقمية (مثل المدونات، ومنصات النشر الذاتي، ووسائل التواصل الاجتماعي) فضاءً رحبًا للتجريب، ومن أهم آثارها:
١.تحرير الكاتب من قيود النشر التقليدي:
فالكاتب اليوم لم يعد مضطرًا لانتظار موافقة دار نشر، بل يمكنه نشر نصوصه مباشرة واختبار تفاعل الجمهور معها.
٢.ظهور أنماط سردية جديدة
مثل القصة القصيرة جدًا، وسرد التغريدة، واليوميات الرقمية، وهي أنماط تتناسب مع سرعة الإيقاع الرقمي وقصر زمن التلقي.
٣.التغذية الراجعة الفورية
التعليقات والمشاركات تمنح الكاتب وعيًا مباشرًا بتأثير نصه، ما يساعده على تطوير أسلوبه.
ثالثًا: توظيف الوسائط المتعددة في السرد:
من أبرز سمات الكتابة الرقمية قدرتها على دمج أكثر من وسيط في العمل الواحد، مثل:
١.الصورة: لتعميق الجو النفسي أو توضيح السياق.
الصوت والموسيقى: لإضافة بعد شعوري للسرد.
٢.الفيديو والرسوم المتحركة: لتقديم مشاهد سردية مكملة للنص.
هذا التداخل يخلق ما يُعرف بـالسرد العابر للوسائط، حيث لا يعود النص وحده حامل المعنى، بل تتقاسمه عدة وسائط.
رابعًا: الذكاء الاصطناعي وأدوات الكتابة الحديثة
أدخلت التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي، أدوات جديدة في عملية الكتابة، مثل:
١.المساعدة في توليد الأفكار وبناء الحبكات.
٢.تحليل النصوص لغويًا وأسلوبياً.
٣.اقتراح بدائل لغوية وتحريرية.
لكن هذه الأدوات لا تلغي دور الكاتب، بل تعيد تعريفه فالكاتب المبدع يحسن استخدام التكنولوجيا دون أن يفقد صوته الإنساني ورؤيته الخاصة.
خامسًا: تحديات الكتابة في العصر الرقمي:
رغم الإيجابيات، تواجه الكتابة الرقمية عدة تحديات، منها:
١.سطحية التلقي نتيجة القراءة السريعة والمتقطعة.
٢.هيمنة الخوارزميات التي قد تفضّل المحتوى السهل على العميق.
٣.فقدان التركيز الجمالي لصالح الانتشار والانتفاع السريع.
٤.مسؤولية الكاتب في الموازنة بين الجاذبية الرقمية والعمق الفني والفكري.
سادسًا: استراتيجيات عملية لتطوير السرد والكتابة:
اسس ووسائل تطوير الكتابة في العصر الرقمي، فالكاتب يمكنه أن يعتمد على:
١.القراءة الواعية للنصوص الرقمية والورقية معًا.
٢.تعلم أساسيات السرد البصري والرقمي.
٣.التجريب المستمر دون الخوف من الفشل.
٤.الحفاظ على الهوية الأسلوبية وسط زخم المحتوى.
٥.استخدام التكنولوجيا كأداة لا كبديل عن الإبداع.
واخيرا .. ينبغى أن أذكر:
“أن عصر المنصات الرقمية لا يشكّل نهاية للسرد الأدبي، بل يمثل مرحلة جديدة من تطوره. فالكتابة، كفن إنساني، قادرة دائمًا على التكيّف مع الوسائط الجديدة دون أن تفقد جوهرها. ويبقى التحدي الحقيقي أمام الكاتب المعاصر هو أن يطوّر أدواته، ويواكب التكنولوجيا، وفي الوقت ذاته يحافظ على العمق، والصدق، والقيمة الجمالية للنص”.
