د. إيمان بشير ابوكبدة
لطالما شكّل سؤال “ماذا يجب أن آكل؟” تحديًا يوميًا لمرضى داء كرون، في ظل غياب إرشادات غذائية واضحة ومدعومة علميًا. لكن دراسة جديدة من كلية الطب بجامعة ستانفورد قدّمت بصيص أمل، بعدما توصلت إلى أن اتباع نظام غذائي منخفض السعرات الحرارية يحاكي الصيام لفترة قصيرة يمكن أن يخفف من أعراض المرض ويقلل من مؤشرات الالتهاب لدى المرضى الذين يعانون من داء كرون الخفيف إلى المتوسط.
تجربة سريرية بنتائج لافتة
أجرى الباحثون تجربة سريرية وطنية عشوائية شملت 97 مريضًا من المصابين بداء كرون بدرجات خفيفة إلى متوسطة. تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين:
مجموعة اتبعت نظامًا غذائيًا يحاكي الصيام
مجموعة أخرى استمرت في نظامها الغذائي المعتاد
وخلال فترة ثلاثة أشهر، لاحظ الباحثون تحسنًا ملحوظًا في أعراض المرض لدى غالبية المشاركين الذين التزموا بالنظام الغذائي المقيد.
كيف يعمل النظام الغذائي؟
اعتمد النظام الغذائي المدروس على خفض حاد في السعرات الحرارية لمدة خمسة أيام متتالية كل شهر، حيث تراوح الاستهلاك اليومي بين 700 و1100 سعرة حرارية، مع توفير وجبات نباتية خلال هذه الفترة. بعد انتهاء الأيام الخمسة، عاد المشاركون إلى نظامهم الغذائي الطبيعي لبقية الشهر.
وأوضح الباحثون أن هذا النمط يهدف إلى تحفيز الجسم على آليات بيولوجية مشابهة لتلك التي تحدث أثناء الصيام، دون الامتناع التام عن الطعام.
تحسن واضح في الأعراض
بحلول نهاية الدراسة، أظهر نحو ثلثي المرضى في مجموعة النظام الغذائي تحسنًا في الأعراض مثل آلام البطن واضطرابات الهضم.
في المقابل، سجّلت المجموعة الضابطة تحسنًا أقل، يُرجّح أنه ناتج عن التقلب الطبيعي للمرض أو الاستمرار في العلاجات المعتادة.
وقال الدكتور سيدهارتا سينها، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن النتائج كانت مشجعة، خاصة أن بعض المرضى لاحظوا تحسنًا بعد دورة واحدة فقط من النظام الغذائي.
مؤشرات الالتهاب تنخفض
لم يقتصر التحسن على الأعراض السريرية فحسب، بل شمل أيضًا المؤشرات البيولوجية للالتهاب.
فقد لاحظ الباحثون انخفاضًا ملحوظًا في مستويات الكالبروتكتين البرازي، وهو مؤشر رئيسي على التهاب الأمعاء، إضافة إلى تراجع بعض الجزيئات الدهنية المحفزة للالتهاب في الدم.
كما أظهرت الخلايا المناعية لدى المرضى الذين اتبعوا النظام الغذائي نشاطًا أقل في إنتاج المواد الالتهابية، ما يشير إلى تأثير أعمق على الجهاز المناعي.
آثار جانبية محدودة
أبلغ بعض المشاركين عن أعراض خفيفة مثل التعب والصداع خلال أيام تقليل السعرات الحرارية، إلا أنه لم تُسجّل أي آثار جانبية خطيرة مرتبطة بالنظام الغذائي، وهو ما يعزز سلامته على المدى القصير عند تطبيقه تحت إشراف طبي.
خطوة نحو إرشادات غذائية مبنية على الدليل
يرى الباحثون أن هذه الدراسة قد تفتح الباب أمام تطوير توصيات غذائية قائمة على الأدلة العلمية لمرضى داء كرون، وهو مجال ظل محدود الخيارات لسنوات طويلة.
وأكد سينها أن فهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء استجابة المرضى لا يزال قيد البحث، خاصة دور الميكروبيوم المعوي في هذه النتائج.
