د.نادي شلقامي
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة الرقمية وتُغرقنا الشاشات بمعلومات سريعة ومؤقتة، يبرز معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 (2026) كحدث استثنائي يعيد طرح السؤال الأزلي: لماذا لا نزال نقرأ ونكتب؟
المعرض، المنعقد في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس من 21 يناير حتى 3 فبراير، حقق إقبالاً جماهيرياً غير مسبوق ، حيث تجاوز عدد الزوار 5 ملايين و 84 ألف زائر خلال 10 أيام فقط (حتى 31 يناير 2026)، مع أيام سجلت أرقاماً قياسية مثل نحو 807 آلاف زائر في يوم واحد. تحت شعار «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا» ، وتكريم نجيب محفوظ كشخصية المعرض، وضيف الشرف رومانيا، يبدو المعرض وكأنه يعلن عودة قوية للثقافة المكتوبة. لكن هل هذا الزخم كافٍ لإعادة الأدب إلى عصره الذهبي؟
أولا….. لماذا نقرأ؟
القراءة ليست مجرد هواية، بل ضرورة إنسانية عميقة:
— توسع آفاق الوعي وتسمح بتجربة حيوات وثقافات لا نعيشها مباشرة، مما ينمي التعاطف والتفكير النقدي.
— تحمي الفرد من الوقوع في فخ الجهل أو التطرف، خاصة في عصر انتشار المعلومات المغلوطة بسرعة.
— تبني معرفة مترابطة وعمقاً فكرياً، بعكس الاستهلاك السريع للمحتوى الرقمي.
— في سياق مصري وعربي، القراءة تعيد الاتصال بالتراث (مثل أعمال نجيب محفوظ) وتساعد على فهم التحديات المعاصرة.
ثانيا….. لماذا نكتب؟
الكتابة هي التعبير الأصيل عن الوجود الإنساني:
— ترتب الفوضى الداخلية وتحول الأفكار إلى شكل دائم يمكن مشاركته.
— توثق التجارب الشخصية والجماعية، وتحمي الذاكرة من النسيان.
— تشكل أداة للتغيير الاجتماعي والنقد، كما فعل كبار الأدباء المصريين عبر العصور.
— في عصر السوشيال ميديا، الكتابة الجادة تعيد للكلمة قيمتها العميقة بعيداً عن السطحية.
ثالثا…. هل أعاد المعرض الأدب إلى عصره الذهبي؟
الإجابة…إيجابية جزئياً، وبدايات قوية جداً ، لكنها ليست كاملة بعد.
الدلائل الإيجابية القوية :
— الأرقام القياسية (أكثر من 5 ملايين زائر في 10 أيام) تثبت أن القراءة تحولت إلى ظاهرة شعبية واسعة، تشمل عائلات وشباباً وأطفالاً، وليست مقتصرة على النخبة.
— الإقبال الهائل على أجنحة الكتب المخفضة، سور الأزبكية، فعاليات الأطفال، والندوات يعكس تنوعاً حقيقياً في الاهتمام.
— تكريم نجيب محفوظ (بمناسبة 20 عاماً على رحيله) يعيد الربط بالعصر الذهبي للأدب المصري (الستينيات–الثمانينيات)، ويذكر الجيل الجديد بقوة السرد العربي عالمياً.
— تصريحات وزير الثقافة المصري الدكتور أحمد فؤاد هنو.. تؤكد تحول المعرض إلى “فضاء وطني جامع” يساهم في صياغة الوعي في إطار “الجمهورية الجديدة”، مما يجعله جزءاً من الهوية الجماعية.
رابعا….التحفظات والتحديات
— جزء من الإقبال قد يكون ترفيهياً أو “سياحياً داخلياً” (زيارة مكان مزدحم، شراء هدايا، تصوير)، وليس بالضرورة قراءة عميقة أو شراء كتب بكميات كبيرة.
— الظروف الاقتصادية تجعل الكثيرين يتفرجون دون شراء، فالمبيعات الحقيقية قد لا تتناسب تماماً مع أعداد الزوار.
— العصر الذهبي السابق كان مدعوماً بمجلات أدبية قوية، رعاية دولية واسعة، وجمهور مثقف كبير. اليوم، المنافسة من الترفيه الرقمي والشاشات أقوى بكثير.
وختاما…فإن معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 ليس مجرد نجاح تنظيمي أو رقمي… هو إشارة حية وقوية إلى أن الأدب والقراءة لم يموتا، بل يمكنهما العودة ليكونا جزءاً من نبض الشارع المصري والعربي.
المعرض يقول لنا بوضوح: الكتابة والقراءة ضروريتان لأنهما تحافظان على الإنسانية، توسعان الوعي، وتقاومان النسيان.
لكن العودة الكاملة إلى “عصر ذهبي” جديد تحتاج استمرارية خارج أيام المعرض: دعم مستمر للكتاب الشباب والناشرين، إصلاح التعليم لترسيخ عادة القراءة، إنتاج أدب يعبر عن هموم الزمن الحالي، وتحويل هذا الزخم الموسمي إلى ممارسة يومية.
في النهاية، المعرض لم يعد الأدب إلى عصره الذهبي بعد… لكنه أشعل “شرارة قوية” تجعلنا نؤمن بإمكانية ذلك..السؤال المصيري الآن: هل سنحافظ على هذه الشرارة بعد إغلاق الأبواب في 3 فبراير؟ الإجابة بين أيدينا جميعاً.
