بقلم: سالي جابر
أخصائية نفسية.
“أنا مش أنا لما أسمع أغنية حزينة”… قد تبدو جملة ساخرة، لكنها تعبر عن حقيقة نفسية عميقة. فالكلمات التي تلامس آذاننا مرارًا، خاصة حين تُغلف بإيقاع جذاب وموسيقى مؤثرة، لا تمر مرور الكرام، بل تتسلل إلى العقل اللاواعي وتترك فيه بصمات قد تغير سلوكنا ومشاعرنا دون أن ننتبه.
العقل اللاواعي… مستقَبِل لا يرفض
العقل البشري ينقسم إلى قسمين رئيسيين:
العقل الواعي: وهو الذي يفكر ويحلل ويختار.
العقل اللاواعي: وهو أشبه بخزان ضخم يستقبل الرسائل من العالم الخارجي دون تصفية أو اعتراض، خاصة حين تأتي الرسالة في صورة متكررة ومؤثرة.
يقول عالم النفس سيغموند فرويد إن “اللاواعي هو المحرّك الحقيقي لمعظم أفعالنا”.
ومن هنا، فإن كلمات الأغاني — خاصة التي نسمعها مرارًا — تشكّل مادة خامًا تتخزن في هذا العقل اللاواعي، لتنعكس بعد ذلك في أفكارنا ومواقفنا.
الإيقاع مفتاح اللاواعي:
تشير أبحاث في علم الأعصاب (مثل دراسة أجرتها جامعة McGill الكندية) إلى أن الموسيقى تنشط مراكز المكافأة في الدماغ، وتزيد من إفراز هرمون الدوبامين، وهو ما يجعلنا أكثر قابلية لتلقي المحتوى دون مقاومة.
وهنا تصبح كلمات الأغاني أكثر تأثيرًا لأنها تدخل محمولة على إيقاع محبب. ولهذا السبب تُستخدم الموسيقى في الإعلانات، وفي الدعاية السياسية، بل وحتى في الحروب!
ماذا تقول الدراسات النفسية؟
1- دراسة من جامعة Iowa (عام 2003):
أشارت إلى أن التعرض المتكرر لأغاني تحوي ألفاظًا عنيفة أو مهينة يؤثر على تصور الشخص للعلاقات الاجتماعية، ويزيد من احتمالية تبني سلوكيات عدوانية أو سلبية.
2- دراسة نُشرت في مجلة Psychology of Music (2011):
أكدت أن الأغاني ذات الكلمات الحزينة تؤثر على مزاج المستمعين، خاصة من يعانون أصلًا من مشاعر اكتئابية. بل إن التأثير لا يكون لحظيًا فقط، بل قد يمتد لساعات وأيام.
3- نظرية التعلم الاجتماعي – ألبرت باندورا:
تؤكد أن الإنسان يتعلم من خلال النمذجة (Modeling)، أي تقليد ما يراه أو يسمعه. وبالتالي فإن تكرار سماع كلمات تشجع على الغدر أو العنف أو الخيانة قد يؤدي إلى تبنيها كمعتقدات طبيعية، خاصة لدى المراهقين.
تأثيرات لا ننتبه لها مثل:
فتاة تعتقد أن الحب لا يكتمل إلا بالمعاناة، لأنها تربت على كلمات مثل:
“ليه يا زمن دايمًا بتوجعنا…”
شاب يؤمن أن الرجولة تعني القسوة لأنه سمع مرارًا:
“اللي يبكي يبقى مش راجل…”
كلها رسائل تتكرر حتى تصبح قناعات، دون أن نُجري عليها أي فلترة من العقل الواعي.
كيف نحمي أنفسنا؟
1-الوعي هو البداية: انتبه للكلمات التي ترددها، ولا تسمح لعقلك اللاواعي أن يُبرمج سلبيًا.
2-اختر ما تسمع: ليس كل ما هو شائع صحي، اختر كلمات تدفعك للأمل، للسلام، للعلاقات الصحية.
3- استخدم الأغنية كأداة علاجية: في علم النفس، هناك ما يُعرف بـ”العلاج بالموسيقى” (Music Therapy)، حيث تُستخدم الأغاني الواعية لتحسين المزاج وتعزيز تقدير الذات.
لسنا ضد الأغاني، بل معها حين تكون أداة للجمال، لا بوابة للسموم النفسية.
فكما أن الجمال يُغنى، يجب أن تُغنّى القيم أيضًا.
أغنِ لعقلك قبل أذنك، ولروحك قبل مزاجك، فما يتكرر يُرسّخ، وما نغنيه اليوم قد نعيشه غدًا.
