بقلم/ السيد عيد
الوجع الحقيقي لا يصرخ، بل يسكن.
يسكن في زاوية القلب، يختبئ في العيون حتى لا يفضحه دمعة، ويختار الليل صديقًا له كي يبوح بهدوءٍ بعيدًا عن ضجيج العالم.
الألم ليس دائمًا صرخة ولا نحيبًا، أحيانًا يكون صمتًا طويلاً يثقل الروح، كحجرٍ على صدرٍ ضاق بالأنفاس.
هو ذلك الفراغ الذي يخلفه غياب من نحب، ذلك الشعور بالبرودة في قلبك حتى في أشد أيام الصيف حرارة، تلك الرغبة في أن تتحدث فلا تجد ما يُقال، أن تبتسم كي تطمئن الآخرين بينما تنهار داخلك مدن كاملة.
الوجع يجعل الأيام متشابهة، والساعات أثقل من الجبال.
كل شيء يصير بطيئًا؛ خطواتك، كلامك، وحتى نبضك.
تشعر وكأنك تعيش على هامش العالم، تراقب الحياة تمضي من حولك بينما أنت متجمد في مكانك، عاجز عن اللحاق بها.
الناس يظنون أن الألم يُقاس بكمّ الدموع، لكن الحقيقة أن أكثر الأوجاع قسوة هي تلك التي لا نذرف لها دمعة واحدة، لأنها تنحتنا من الداخل بصمت، حتى نصبح غرباء عن أنفسنا.
أحيانًا نحتاج أن نعترف بأننا نتألم، أن نقولها بصوت مسموع: “أنا موجوع”، ليس طلبًا للشفقة، بل لأن الكلمة وحدها تحمل بعض الخلاص، وكأن الحروف حين تخرج تأخذ معها بعضًا من ثِقل الروح.
الوجع لا يدوم، لكن أثره يبقى.
يتركنا مختلفين عمّا كنا، يعلّمنا أن نرى العالم بعيون أكثر عمقًا، وأن نلمح وجع الآخرين ولو صمتوا، لأننا صرنا نعرف اللغة التي لا تُقال.
