دارين محمود
في مثل هذا اليوم من عام 1798، وتحديداً في 20 أكتوبر، اهتزت القاهرة على وقع انتفاضة شعبية عارمة عُرفت باسم ثورة القاهرة الأولى، لتشعل أول شرارة للمقاومة المنظمة ضد الوجود الفرنسي في مصر. كانت هذه الثورة دليلاً قاطعاً على رفض الشعب المصري للاحتلال، وتفنيداً لوهم نابليون بونابرت بأنه قادم محرراً لا غازياً.
أسباب الانفجار: الضرائب وتفتيش البيوت
لم تندلع الثورة من فراغ، بل كانت نتيجة تراكم سياسات الحملة الفرنسية القمعية التي ناقضت الوعود التي أطلقها نابليون عند وصوله. من أبرز العوامل التي فجّرت الغضب الشعبي:
* الضرائب الباهظة: فرض الفرنسيون ضرائب قاسية ومبالغ فيها، خاصة على التجار، لتمويل حملتهم بعد تدمير أسطولهم في معركة أبي قير البحرية.
* انتهاك الحرمات: قيام الجنود الفرنسيين بتفتيش المنازل والدكاكين والمساجد بحثاً عن الأموال، وهدم أبواب الحارات كإجراء أمني لتسهيل مطاردة المقاومين.
* إهانة المقدسات: هدم بعض المباني والمساجد بحجة تحصين المدينة، وهو ما أثار الشعور الديني للمصريين.
سير الأحداث: الأزهر قلب الثورة
قاد الأزهر الشريف ومشايخه الثورة، وشكلوا مركزاً لتنظيم المقاومة. اندلعت الانتفاضة فجأة، حيث هجم الأهالي على الجنود الفرنسيين بما توفر لديهم من سلاح، وتمكنوا من قتل حاكم القاهرة الفرنسي الجنرال ديبوي وعدد من ضباط وجنود الحملة. تحصن الثوار في الأزقة والحارات، وأقاموا المتاريس، واتخذوا من الجامع الأزهر نقطة تجمع رئيسية لهم.
أدرك نابليون بونابرت خطورة الموقف، خاصة بعد الهزيمة البحرية، ولجأ إلى العنف المفرط لإخماد الثورة. قام بونابرت بمحاصرة مناطق الثوار، مستغلاً جهلهم بأهمية التلال المشرفة على القاهرة، حيث نصب المدافع على تلال المقطم والقلعة، وبدأ في قصف المدينة والأحياء المجاورة.
القمع والنتائج: تدنيس الأزهر والرد العنيف
كانت نقطة الذروة في قمع الثورة هي دخول الجنود الفرنسيين إلى الجامع الأزهر بخيولهم، وهو ما شكل إهانة غير مسبوقة للمشاعر الدينية للمصريين. أسفرت الثورة عن مقتل ما يقارب 2500 إلى 6000 مصري، بينما بلغت خسائر الفرنسيين حوالي 20 قتيلاً، من بينهم الجنرال ديبوي.
بعد إخماد الثورة، أصدر نابليون أحكاماً بالإعدام طالت ستة من شيوخ الأزهر، وتم فرض غرامات مالية ضخمة على الأعيان والتجار الذين دعموا الثوار. كما أُلغي ديوان القاهرة الذي أسسه الفرنسيون، وتم إنشاء ديوان آخر للحد من سلطة الأزهريين.
ثورة القاهرة الأولى، على الرغم من قمعها الوحشي، لم تكن مجرد حادثة عابرة؛ بل كانت برهاناً على حقيقة أن الاحتلال مهما حاول التظاهر بالإصلاح والتسامح، سيظل مرفوضاً من الشعب، وأكدت دور الأزهر كقيادة روحية ووطنية للمقاومة. لقد أيقظت هذه الثورة الوعي الوطني ومهدت الطريق لحركات مقاومة لاحقة انتهت بالجلاء الفرنسي عن مصر.
