بقلم ا.د روحيه الشريف
بروفيسور الروماتيزم والمناعه بكليه الطب جامعة المنيا
واستشاري الأمراض الروماتيزميه والمناعيه بمستشفي سلامات بالمملكه العربيه السعودية
“معركة العمود الفقري الصامتة!”
هل تخيلت يوماً أن يتحول عمودك الفقري، هذا الدعم المرن لحركتك وحياتك، إلى كتلة صلبة؟
هذا هو التحدي الذي يواجهه مرضى الالتهاب التيبسي الفقاري. إنه ليس مجرد ألم في الظهر، بل هو مرض التهابي مزمن يتسلل خفية ليبدأ معركته من حيث تلتقي قاعدة العمود الفقري بالحوض، حاملاً معه وعداً قاسياً: التصلب والالتحام.
هذا المرض الروماتيزمي الغامض يهدد بـ “تجميد” الحركة وتحويل الظهر من هيكل مرن إلى “عمود من الخيزران” متيبس. فما هو هذا العدو الصامت؟ وما هي أسلحته التي يستخدمها ضد الجسد؟
— هو مرض التهابي مزمن يصيب بشكل رئيسي المفاصل والأربطة في العمود الفقري، خاصة المفصل العجزي الحرقفي (الذي يربط أسفل العمود الفقري بالحوض). مع مرور الوقت، يمكن للالتهاب المزمن أن يتسبب في تكوّن عظام جديدة تؤدي إلى التحام (تيبس) الفقرات ببعضها البعض. هذا الالتحام يحد من مرونة وحركة العمود الفقري، وقد يؤدي إلى انحناء وضعية الجسم للأمام.
أولا…الأسباب وعوامل الخطر
السبب الدقيق للمرض غير معروف بشكل كامل، ولكنه يُعتقد أنه مزيج من العوامل الوراثية والبيئية.
العامل الوراثي الأبرز: وجود الجين (HLA-B27) يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة، بالرغم من أن حمل الجين لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض.
الجنس والعمر: يصيب الرجال أكثر من النساء، ويبدأ ظهوره عادة في مرحلة المراهقة المتأخرة أو الشباب المبكر (بين 20 و 40 عاماً).
ثانيا…الأعراض الشائعة
تبدأ الأعراض غالباً بشكل تدريجي وتتفاقم مع مرور الوقت، وتشمل:
1- الالم والتصلب المزمن
في أسفل الظهر والوركين والأرداف، يزداد سوءاً في الصباح وبعد فترات الراحة أو الخمول.
2- التحسن مع الحركه
يخف الألم والتصلب عادةً مع ممارسة الرياضة أو الحركة (وهي صفة مميزة للألم الالتهابي التيبسي الفقاري).
3- التعب والارهاق
شعور عام بالإعياء والإرهاق نتيجة الالتهاب المزمن
4- التهاب مفاصل أخري
قد يتأثر الكتفان، الركبتان، أو الكاحلان.
5- صعوبه التنفس
في الحالات المتقدمة، قد يؤثر التيبس على الأضلاع والغضاريف الصدرية، مما يحد من سعة الرئة.
6- مشاكل العين
التهاب في قزحية العين (Uveitis) الذي يسبب ألماً، احمراراً، وحساسية للضوء.
ثالثا…العلاج
لا يوجد علاج ثابت لكل المرضي ولكن يفصل العلاج وفقا لحاله المريض.
الهدف من العلاج هو تخفيف الألم، وتقليل الالتهاب، ومنع التيبس، والحفاظ على مرونة العمود الفقري، ويشمل:
1- الأدوية
مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs): لتخفيف الألم والتصلب.
الأدوية البيولوجي لعلاج الالتهاب بشكل فعال وإبطاء تقدم المرض.
العلاج الطبيعي والتمارين: يعد حجر الزاوية في العلاج، للحفاظ على المرونة ومنع التيبس (خاصة التمارين المائية وتمارين التمدد).
2- تعديل نمط الحياة
الإقلاع عن التدخين: لأنه يزيد من مشاكل التنفس والمضاعفات الرئوية.
الحفاظ على وضعية جيدة للجسم أثناء الجلوس والنوم.
3- التدخل الجراحي: نادراً ما يتم اللجوء إليه، وقد يكون ضرورياً في حالة تشوه الوركين أو العمود الفقري الشديد.
” الأمل رغم التحدي”
الالتهاب التيبسي الفقاري هو رحلة مستمرة، لكنها ليست حكماً بالإيقاف. إنه يدعونا إلى تذكر أن الحركة هي الحياة. كل تمرين، كل خطوة، كل قرار صحي هو انتصار صغير في هذه المعركة.
صحيح أن هذا المرض قد يهدد مرونة الظهر، ولكنه لا يستطيع تجميد إرادة الإنسان أو مرونة روحه. فمع التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج، يمكن للمريض أن يخفف من الأعراض بشكل كبير ويعيش حياة منتجة.
لذا، فإن الرسالة الأخيرة هي:
لا تدعوا المرض يحدد حياتكم. حافظوا على الحركة، وحافظوا على الأمل، وحافظوا على قامة مرفوعة بقدر الإمكان في مواجهة هذا التحدي.
