تقرير . د نادي شلقامي
تُعدّ “الفهلوة” إحدى أبرز السمات الثقافية التي طالما ارتبطت بالشخصية المصرية، وظهرت كمفهوم متجذر في الوعي الجمعي، يعكس طريقة تعاطي الفرد مع تحديات الحياة اليومية. هذه الكلمة التي لا يوجد لها مرادف دقيق في كثير من اللغات الأخرى، تحمل في طياتها معاني متعددة تتراوح بين الذكاء وسرعة البديهة والقدرة على التكيف، وبين التهرب من المسؤولية والتحايل على القوانين. إنها ظاهرة اجتماعية معقدة، تتقاطع فيها الدوافع النفسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتترك بصماتها الواضحة على حياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء. يهدف هذا التقرير إلى استكشاف مفهوم الفهلوة في حياة المصريين، من حيث معناها وتاريخها وأسبابها، مع تحليل آثارها الإيجابية والسلبية، وصولًا إلى مقترحات لمعالجتها أو توجيهها نحو مسارات بناءة.
أولا….معنى الفهلوة وتاريخها
تُشير الفهلوة في جوهرها إلى القدرة على “التدبير” أو “التصرف بذكاء” للخروج من مأزق أو تحقيق مصلحة، غالبًا ما تكون بطرق غير تقليدية أو غير مباشرة، وقد تتضمن تجاوزًا لبعض القواعد أو الأعراف. هي فنّ إيجاد الحلول السريعة والبراجماتية، أحيانًا على حساب الالتزام الكامل بالقوانين أو الأعراف الرسمية.
تاريخيًا، يمكن تتبع جذور الفهلوة في مصر إلى عوامل متعددة. فالمصريون، بحكم تاريخهم الطويل من التعرض للاستعمار وتغير الأنظمة السياسية والاقتصادية، طوّروا آليات للبقاء والتكيف. في ظل غياب العدالة الاجتماعية أحيانًا، وضعف مؤسسات الدولة في فترات معينة، أو التعقيدات البيروقراطية، اضطر الفرد المصري للبحث عن “مخارج” و”حلول سريعة” لتسيير أمور حياته. كما أن طبيعة المجتمع الزراعي الذي يتسم بالاعتماد على القدرة الشخصية وسرعة البديهة في مواجهة الظروف المتقلبة، ساهمت في ترسيخ هذه السمة. الشخصية المصرية بطبيعتها المحبة للمرح والفكاهة، وجدت في الفهلوة أحيانًا متنفّسًا للتحايل على الواقع الصعب بابتسامة.
ثانيا….أسباب انتشار الفهلوة
تتعدد الأسباب التي أدت إلى انتشار الفهلوة في المجتمع المصري، ومن أبرزها:
1- الظروف الاقتصادية الصعبة: الفقر والبطالة وضعف الأجور يدفع الأفراد للبحث عن أي وسيلة لتحسين دخلهم أو تدبير أمورهم المعيشية، حتى لو كانت هذه الوسائل غير رسمية أو غير مشروعة بشكل كامل.
2- البيروقراطية والتعقيدات الإدارية: الروتين الطويل، الإجراءات المعقدة، وأحيانًا الفساد في بعض المؤسسات، يدفع الناس للبحث عن “الواسطة” أو “التوصيلة” أو “الدفع من تحت الترابيزة” لتخليص معاملاتهم بسرعة.
3- ضعف تطبيق القانون: عندما يشعر الأفراد بأن القانون لا يُطبق بصرامة أو أنه يُطبق بانتقائية، فإنهم يصبحون أكثر استعدادًا للتحايل عليه.
4- التعليم والثقافة: أحيانًا تفتقر المناهج التعليمية إلى غرس قيم النزاهة والالتزام والعمل الجاد، في حين قد تروّج بعض الأعمال الفنية أو الأمثال الشعبية للفهلوة كنوع من الشطارة.
5- العوامل الاجتماعية والنفسية: حب الظهور والقدرة على إثبات الذات من خلال “حل المشكلات” بذكاء، أو التفاخر بالقدرة على “التصرف” في المواقف الصعبة، يمكن أن يكون دافعًا لبعض الأفراد.
ثالثا…آثار الفهلوة الإيجابية والسلبية
للفهلوة وجهان، أحدهما يعكس براعة التدبير والآخر يمثل خطورة الانتهازية:
1- الآثار الإيجابية:
1-1- سرعة البديهة والقدرة على التكيف: تساعد الفهلوة الفرد على التصرف بسرعة في المواقف الطارئة وإيجاد حلول مبتكرة خارج الصندوق.
1-2- حل المشكلات المستعصية: في بعض الأحيان، يمكن للفهلوة أن تفتح أبوابًا مغلقة وتذلل عقبات تبدو مستحيلة في ظل الروتين الجامد.
1-3- المرونة والقدرة على البقاء: تمنح الفرد مرونة عالية في مواجهة التحديات اليومية وتساعده على البقاء والنجاح في بيئات معقدة.
1-4- روح الفكاهة وخفة الظل: غالبًا ما ترتبط الفهلوة بالقدرة على إضفاء جو من المرح على المواقف الصعبة، مما يخفف من حدة الضغوط.
2- الآثار السلبية:
2-1- الفساد وتآكل القيم: عندما تتخطى الفهلوة حدود التدبير لتصل إلى التحايل والغش والرشوة، فإنها تصبح بوابة للفساد وتضعف من قيم الأمانة والنزاهة في المجتمع.
2-2- ضعف الإنتاجية والجودة: الاعتماد على الحلول السريعة قد يؤدي إلى إهمال التخطيط السليم، والالتزام بمعايير الجودة، مما يؤثر سلبًا على الإنتاجية العامة.
2-3- فقدان الثقة: انتشار الفهلوة يزعزع الثقة بين الأفراد وفي المؤسسات، حيث يصبح الكل متوجسًا من الآخر، مما يعرقل التعاون ويضعف العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
2-4- عدم المساواة والظلم: الفهلوة تمنح البعض ميزات غير مستحقة على حساب الآخرين الملتزمين بالقواعد، مما يؤدي إلى شعور بالظلم وعدم تكافؤ الفرص.
2-5- عرقلة التنمية: أي مجتمع يسود فيه الفكر الفهلوي على حساب التخطيط العلمي والالتزام بالقوانين، سيجد صعوبة بالغة في تحقيق التنمية المستدامة.
رابعا….كيفية معالجة الفهلوة (أو توجيهها)
لا يمكن القضاء على الفهلوة بشكل كامل، فهي جزء من نسيج الثقافة، ولكن يمكن معالجتها وتوجيهها نحو مسارات أكثر إيجابية وبناءة من خلال:
1- تعزيز حكم القانون ومكافحة الفساد: تطبيق القانون بصرامة وشفافية على الجميع دون استثناء، ومكافحة جميع أشكال الفساد، سيُقلل من جدوى اللجوء إلى الفهلوة السلبية.
2- تبسيط الإجراءات البيروقراطية: العمل على تقليل التعقيدات الإدارية وتسهيل حصول المواطنين على حقوقهم وخدماتهم، سيُقلل من الدافع للتحايل.
3- تحسين الأوضاع الاقتصادية: توفير فرص عمل لائقة، وزيادة الأجور، وتوفير حياة كريمة للمواطنين، سيُقلل من الاضطرار إلى البحث عن “حلول” غير مشروعة.
4- التعليم والتوعية: غرس قيم الأمانة، والنزاهة، والعمل الجاد، واحترام القوانين، والتفكير الإبداعي البناء في المناهج التعليمية ومن خلال حملات التوعية الإعلامية.
5- تنمية ثقافة المسؤولية والالتزام: تشجيع الأفراد على تحمل مسؤولياتهم والالتزام بالقواعد والمعايير المهنية والأخلاقية.
6- تحويل الطاقة الفهلوية إلى إبداع: يمكن توجيه سرعة البديهة والقدرة على إيجاد الحلول غير التقليدية نحو الابتكار وريادة الأعمال والإبداع في المجالات المشروعة التي تخدم المجتمع.
7- تنقية الدراما والأفلام المصرية من الأدوار التي من شأنها غرس “الفهلوة” بين طبقات المجتمع كأداة لتدبير الأمور وانهاء أي مشكلات عالقة.
خامسا… الدور السلبي والإيجابي للدراما في نشر “الفهلوة”
أ- الدور السلبي (ترسيخ السلوكيات الهدّامة)
يتمثل الدور السلبي في تقديم الفهلوة كطريق مشروع ومكافأ للنجاح، مما يقوّض قيم الالتزام والنزاهة:
1- شرعنة المخالفة القانونية:
أ- العنصر: تصوير البطل الفهلوي الذي ينجح في تجاوز القوانين (المرور، الضرائب، البناء) دون عقاب أو حتى بمكافأة اجتماعية.
ب- الأثر: يرسخ فكرة أن التحايل هو “الشطارة”، وأن الالتزام بالقانون هو ضعف وسذاجة.
2- تطبيع الفساد الصغير (الرشوة والواسطة):
أ- العنصر: إظهار أن حل المشكلات الروتينية المستعصية يتطلب دائمًا “إكرامية” أو “واسطة” أو استخدام علاقات شخصية غير عادلة.
ب- الأثر: يخلق قناعة لدى المشاهد بأن هذه هي الآلية الوحيدة الفعالة لتسيير الأمور في المجتمع والمؤسسات، مما يُغذي ثقافة الفساد والانتهازية.
3- تشويه صورة الملتزمين والأخلاقيين:
أ- العنصر: تصوير الشخص المتمسك بالنزاهة والروتين القانوني كشخص بطيء، ساذج، أو فاشل ماديًا مقارنة بالبطل الفهلوي السريع الثري.
ب- الأثر: يدفع الجماهير، خاصة الشباب، للنفور من قيم العمل الجاد والالتزام وتفضيل الحلول السريعة والملتوية.
4- خلق قدوة سلبية (البطل المناور):
أ-العنصر: تحويل الشخصية التي تعتمد على المكر والحيلة والتهرب من المسؤولية إلى “قدوة” مرغوبة ومحبوبة جماهيريًا.
ب- الأثر: يمنح الشباب المحرومين ذريعة أخلاقية لتبني سلوكيات غير سليمة كوسيلة وحيدة لتسلق السلم الاجتماعي والاقتصادي.
ب- الدور الإيجابي (تنمية الذكاء الاجتماعي والإبداع)
يتمثل الدور الإيجابي في توجيه طاقة الفهلوة نحو الإبداع، سرعة البديهة، والقدرة على التكيف المشروع:
1- إبراز الذكاء الاجتماعي وسرعة البديهة:
أ-العنصر: تصوير الفهلوة كقدرة على التفكير السريع وغير التقليدي لإيجاد حلول لأزمات مفاجئة أو مواقف طارئة.
ب- الأثر: يشجع المشاهدين على تنمية الذكاء الحاد، والتحليل السريع للمشكلات، والقدرة على الارتجال الإيجابي والتعامل مع ضغوط الحياة.
2- تعزيز المرونة والتدبير الاقتصادي:
أ- العنصر: إظهار الفهلوة كأداة للتدبير المعيشي والعملي بأقل الإمكانيات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة (مثال: استخدام الأشياء القديمة، إيجاد فرص عمل غير تقليدية).
ب- الأثر: يغرس قيمة التكيف والاجتهاد الإبداعي في المجتمع لتجاوز الفقر ونقص الموارد دون اللجوء للتحايل الضار.
3- تفكيك الروتين والجمود السلبي:
أ- العنصر: تقديم الفهلوة كأداة لتجاوز الروتين البيروقراطي غير المبرر أو المعقد الذي يعيق المصلحة العامة (وليس القانون نفسه).
ب- الأثر: يُلهم المواطنين للبحث عن حلول إدارية أذكى وأسرع بدلاً من الاستسلام للجمود المؤسسي، ويشجع على التغيير.
4- التعبير الفكاهي والتنفيس الاجتماعي:
أ- العنصر: استخدام الفهلوة المرتبطة بخفة الظل المصرية للسخرية من الواقع الصعب والضغوط اليومية.
ب- الأثر: توفير متنفس نفسي واجتماعي للمشاهدين، مما يعزز من قدرتهم على تقبل الصعوبات والاستمرار بروح معنوية عالية.
إن الفهلوة في حياة المصريين ظاهرة مركبة ومتجذرة، تعكس جوانب متعددة من الشخصية المصرية وتفاعلها مع الظروف المحيطة. فبينما قد تكون مصدرًا لسرعة البديهة والمرونة، فإنها في وجهها الآخر قد تؤدي إلى تآكل القيم وعرقلة التنمية. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه الطاقة الكامنة من مجرد “شطارة” في التحايل، إلى قوة دافعة للإبداع والابتكار والتقدم، في إطار من الشفافية والالتزام وحكم القانون. إن معالجة الفهلوة السلبية تتطلب جهدًا مجتمعيًا متكاملاً، يشارك فيه الأفراد والمؤسسات والدولة، لبناء مجتمع يقوم على العدل والنزاهة والإنتاجية، حيث يُكافأ الإبداع ويُحاسب الانتهاز.
