بقلم السيد عيد
لطالما نظرت إلى قصص الجان على أنها خرافات تتداولها الألسن لملء ليالي القرية الطويلة. لم يكن في قلبي مكان لهذه الأساطير، ولم أُرهق نفسي بالتفكير فيما لا يُرى ولا يُمس. كنت مثل كثيرين، أؤمن بما تراه عيني، وأرفض كل ما يخالف قوانين العقل والمنطق.
لكن في تلك الليلة، عند شاطئ البحيرة المهجورة، تبدّلت حياتي. كانت الرياح تعصف بشدة، وأصواتها تتردد كأنها أنين قديم، يحكي حكاية لم تُروَ. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والأفق يختنق بالظلمة. وأنا أمشي وحيدًا، شعرت فجأة بثقل النظرات يثقل روحي، بنظرة حادة تخترقني من بين الظلال.
توقفت عن الحركة، كأن الأرض نفسها امتدت لتحبس قدمي، وتهمس الريح بأصوات تزداد وضوحًا: اسمي يُهمس من بين الأشجار، ينساب إليّ كنداء غامض. توجهت نحو مصدر الصوت، ورأيت أمامي شعاعًا أزرق يتلألأ بين أغصان الأشجار، كأنه ينبض بالحياة.
فجأة، خرج من الضوء مخلوقات صغيرة، شفافة الأجنحة، وعيناها تلمعان بوميض الفيروز، وجوهها تحمل مرارة الحزن وغضبًا دفينًا. هم الجان الذين سمعنا عنهم، لكنهم هذه المرة لم يكونوا مجرد أساطير.
قال أحدهم بصوتٍ رنان: “لقد تمردنا، لم نعد نحتمل أن نُنسى، أن نُعامل كخيالٍ لا وجود له، كظلٍ يمر دون أن يُرى.”
وفي لحظة، اهتزت الأرض، وارتفعت الأشجار كأنها أرواح غاضبة، تجلت الريح في لحن تمردٍ صاخب. لم يكن تمردهم مجرد غضب، بل صرخة وجع طال صمتها لقرون. صرخة تدعونا لنرى، لنسمع، لنفهم.
أصبحت جزءًا من هذا العالم المخفي، استمعت إلى قصص الألم والخذلان، إلى حكايات الجان الذين عاشوا بيننا ولا أحد يعرفهم، منسيين مثل أرواح ضائعة. فهمت حينها أن تمردهم كان من أجل الحرية، من أجل أن يلقوا بصوتهم في فضاء العالم.
وفيما مضى الليل، تعاهدت أن أكون همزة الوصل بين عالمنا وعالمهم، أن أحكي قصصهم لمن يرفض أن يسمع، وأفتح قلوب البشر لمن يظن أن الغموض عدو.
عدت إلى قريتي في الصباح، ليس كما كنت، بل بعيون مفتوحة على المجهول، وبروح تستوعب أكثر من المعلوم. تعلمت أن هناك عوالم تتشابك مع عالمنا، وأن الحكمة تكمن في التواضع والقبول بأن الكون أوسع وأعمق من أن نحتكره بعقولنا فقط.
في دروب الحياة، نميل إلى رفض كل ما لا نفهمه، نغلق أبواب قلوبنا أمام الغموض ونحكم بسرعة على ما لا يناسب أهوائنا. لكن الحقيقة أن التواضع أمام عظمة الكون هو بداية الحكمة، والقبول بأن هناك ما يتجاوز قدراتنا على الإدراك.
تمرد الجان ليس مجرد قصة خيالية، بل هو دعوة صامتة لنا كي نفتح أعيننا وقلوبنا، لنرى ما خلف الظلال، لنسمع من يئن في صمت، لنحترم كل وجود مهما بدا بعيدًا أو غريبًا.
فالظلام لا يعني انعدام الحياة، والظلال قد تخفي أرواحًا تنتظر فقط من يمنحها فرصة للظهور، للفهم، وللحرية.
