كتبت/نجده محمد رضا
يتداول البعض على مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام أرقامًا ضخمة تصف “وزن الأرض” وتقدّره بمليارات أو تريليونات الأطنان، وكأن هناك ميزانًا كونيًّا علّق عليه كوكبنا الأزرق.
غير أن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه كيف يمكن معرفة وزن كوكب لم يسبح عليه أحد من الخارج ولم تُقَس مكوناته بدقة؟
في الواقع العلم لا يقيس وزن الأرض بالمعنى المادي المباشر كما نقيس قطعة حديد أو صخرة على ميزان بل يعتمد العلماء على قانون الجاذبية العام لنيوتن
وهو الذي يربط بين الكتلة والقوة الجاذبة التي تؤثر بها الأجسام
من خلال دراسة حركة الأقمار الصناعية حول الأرض وسرعة دورانها ومداراتها الدقيقة، يستطيع العلماء حساب الكتلة التقريبية للأرض لا وزنها الحقيقي بالمعنى الفيزيائي.
فالوزن يعتمد على قوة الجاذبية أما الكتلة فهي مقدار المادة داخل الجسم ومن خلال تحليل الجاذبية وتأثيرها على الأجرام السماوية القريبة توصل العلماء إلى أن كتلة الأرض تبلغ نحو 5.97 × 10²⁴ كيلوجرام، أي ما يعادل تقريبًا 5940 مليار مليار طن.
لكن هذه الأرقام ليست نتيجة “وزن” فعلي، بل نتائج حسابية مبنية على فرضيات فيزيائية وتجريبية.
حقيقة الأمر أن العلماء أنفسهم لا يدّعون دقة مطلقة فهم يعلمون أن باطن الأرض مجهول في كثير من تفاصيله، وأن النسب الدقيقة للحديد أو الصخور أو الصهارة أو النفط لم تُعرف بعد.
إلا أن الحسابات الفيزيائية تمنح تقديرًا تقريبيًا لكتلة الكوكب ككل، وهو تقدير كافٍ لفهم حركة الأرض وعلاقتها بالشمس وبقية الكواكب.
لكن هنا يظهر الجانب الفلسفي من المسألةهل يمكن اعتبار هذه الأرقام حقيقة علمية أم مجرد تخمينات ذكية؟
البعض يرى أن هذه التقديرات أقرب إلى نظريات قائمة على الحساب أكثر منها إلى واقع ملموس فكيف نقيس ما لم نرَ باطنه؟ وكيف نحكم على وزن الأرض ونحن لم نزن حتى جبلًا كاملًا بدقة؟
ومن المفارقات المثيرة أن العلماء اليوم لا يكتفون بحساب “وزن الأرض” بل يحاولون تقدير كتلة المجرة بأكملها! وهو أمر أعقد بألف مرة لأن المجرات تضم مئات المليارات من النجوم والكواكب والغازات والمادة المظلمة التي لا تُرى أصلًا
ورغم ذلك تُطرح أرقام فلكية مذهلة، فيصدقها البعض وكأنها حقائق نهائية.
القول إن وزن الأرض يساوي كذا مليار طن ليس هراءً خالصًا ولا حقيقة مطلقة إنه نتاج معادلات علمية تعتمد على الجاذبية، لكنها في النهاية تظل تقديرات نظرية، لا يمكن التحقق منها بقياس مادي مباشر. وبين العلم والمنطق تبقى الحقيقة نسبية
ويبقى السؤال قائمًا
هل نحن نعرف كوكبنا حقًّا، أم أننا نحاول أن نُقنع أنفسنا بأننا نعرفه؟
