قصة قصيرة
بقلم د.نادي شلقامي
في قلب الريف المصري..، حيث رائحة الخضرة وزروع العنب تمتزج مع رائحة الفول المدمس، عاش زغلول، الشاب الذي يحمل مؤهلاً تربوياً عالياً لكنه لم يجد عملاً يليق بمكانته سوى مساعدة أمه “الحاجة أم زغلول” في بيع الخضار. كان زغلول ينام ويصحو على فكرة واحدة: “حمار”. ليس لأنه يحتاجه، بل لأن حلم امتلاكه كان آخر ما سيذكره قبل أن “تضرب دماغه”.
وفي ليلة مقمرة، استيقظ زغلول على صرخة مدوية: “سرقوا الفلوس اللي كنت هاشتري بيها الحمار! راحوا بيها سوق الخيول!”. لم تكن هناك فلوس، ولا كان هناك حمار ينتظره. لكن الحلم الضائع رسخ في عقله الريفي البسيط كحقيقة مطلقة، وتحول إلى هوس يوم الثلاثاء.
أصبح يوم الثلاثاء، موعد سوق البهائم الأسبوعي، هو يوم “البعثة الاستكشافية” لزغلول. يرتدي زغلول جلبابه القديم، ويضع على رأسه “شاشية” (طاقية صوف) بالية، ويتوجه إلى قسم الخيول الفارهة في السوق، وكأنه محقق سري في مهمة خطيرة.
اقترب زغلول من “الريس عتمان”، أشهر تاجر خيول أصيلة في السوق، وهو رجل ضخم لا يرى ما تحت قدميه.
زغلول (بصوت هامس): “يا ريس عتمان، قل لي بالذمة… ما شفتش حد لابس جلباب مخطط، ومعاه شوية فلوس كانوا بتوع حمار، وبيشتري بيهم حصان؟”
الريس عتمان (نظر إليه من فوق نظارته الشمسية): “حمار إيه يا ابني اللي فلوسه تشتري حصان عربي أصيل؟ هو الحمار بتاعك كان اسمه ‘إيه ؟”
زغلول (بجدية): “الحمار كان اسمه… الأمل! وهو غالي عندي زي الفرس الأصيل بالظبط. أصل اللي سرقوه دول… ضربوا عصفورين بحجر: خربوا دماغي وخدوا الفلوس!”
الريس عتمان لم يتمالك نفسه من الضحك حتى اهتزت “العِلفة” (طعام الخيل) من حوله.
وفي كل مرة يرى فيها زغلول رجلاً يشتري حصاناً فاخراً، يقترب منه وهو يشير بإصبعه ببطء ويقول: “أنت! أنت اللي سرقت فلوس الحمار بتاعي!”
وفي إحدى المرات، أشار إلى شاب وسيم يشتري فرساً بيضاء لخطيبته، وهمس زغلول: “أكيد هذا هو! باعوا فلوس الحمار واشتروا الفرس الأبيض عشان يتجوز بسرعة! يا له من غدر!”
رد الشاب (باستغراب): “يا عم الحاج، أنا لسه دافع من مرتبي بقالي سنة عشان الفرس دي، حمار إيه اللي بتقول عليه؟”
زغلول (بعمق فلسفي): “الحمار يا ابني رمزٌ… رمزٌ للرزق البسيط اللي كان هيستر علينا. أنتم سرقتم الرمز! وكسرتم حاجز العقل!”
أصبح زغلول علامة مسجلة في السوق. الناس لا يأتون فقط لشراء البهائم، بل لرؤية “زغلول المجنون” وهو يبحث عن “سارقي الحمار”. أصبحت الحاجة أم زغلول تجد مبيعاتها تزيد بفضل شهرة ابنها؛ فكلما سألها أحد: “زغلول فين يا حاجة؟”، ردت بابتسامة متعبة: “زغلول في سوق الخيول!… أهه بيجيب زباين”.
في أحد أيام الثلاثاء، بينما زغلول كان يتجول في السوق كعادته، ويشير إلى تاجر غنم: “أنت برضه مشترك في المؤامرة؟”، مر به شيخ القرية، “الحاج بسيوني”، وتوقف وقال:
“يا زغلول، كفاية جنان بقى. أنت مش لقيت الحمار اللي بتقول عليه؟”
زغلول: “لا يا حاج، ما لقيتوش… بس عرفت مين اللي سرق فلوسه!”
الحاج بسيوني: “مين؟”
زغلول: “الخيال الواسع يا حاج! سرق الفلوس وضرب دماغي!”
ضحك الحاج بسيوني وقال: “طيب يا زغلول، أنا عندي لك حل. بما إن كل الناس بتيجي السوق عشان تشوفك، وبما إنك مؤهل تربوي… إيه رأيك تفتح لي هنا كُتاب تعلم فيه ولاد التجار؟ وتسميه ‘كُتاب الحمار الضائع’؟”
صُعق زغلول. المؤهل العالي والمؤامرة والحمار… كلها تجمعت لتصنع له عملاً! وافق زغلول على الفور، وتوقف عن البحث عن السارق. وبدأت أمه تبيع الخضار أمام “كُتاب زغلول” الذي اشتهر بسرعة. وكلما سأل أحد عن زغلول، قالت الحاجة أم زغلول بفخر: “زغلول في سوق الخيول!… بس مش بيدور على حمار، ده بيعلم العيال يقرأوا ويكتبوا!”
