بقلم السيد عيد
في مساءٍ مائلٍ إلى العتاب، حين تتثاءب الأرصفة، ويغسل الليل ما تبقّى من ضوضاء النهار، تتسلّل إلى أذنك كلمة صغيرة… لا تُقال بصوتٍ مرتفع، ولا تُنطق في محافل الفلاسفة، لكنها تُلقى بخفةٍ في المقاهي وعلى الأرصفة وفي زحمة الحياة المصرية، كأنها محاولة شديدة الأدب لتأجيل الانهيار: “ماعلينا.”
هذه الكلمة الخفيفة كزفرة، العميقة كجُرحٍ لا يريد أن يعترف بنفسه ليست مجرد تعبير لغوي، بل مذهبٌ وجودي، فلسفة كاملة لا يُدرّسها أستاذ جامعي، بل يُدرّسها عم عبده قهوجي، وتشرحه الحياة كلما هزّت رأسها لنا وابتسمت بسخرية.
يستيقظ الإنسان كل صباح محمّلًا بما لا يُحتمل: أسئلة عالقة، رسائل غير مقروءة، خطط مؤجلة منذ العصر الفاطمي. ثم يحدث ما يحدث… شيء صغير، تافه، لكنه كافٍ ليفتح كل بوابات الغيظ: انسكاب شاي، تأخير مواصلة، ريموت يختفي في لحظة كأنما ابتلعته ثقوب الزمكان. وهنا، بدلاً من صرخةٍ كونية، يرفع المصري حاجبه، ينفخ في الهواء، ثم يطلقها ببطء: “ماعلينا…”
كأن العبارة تؤكّد حقيقة جبرية: أن هذا العالم لا يستحق كل هذا الانفعال، وأنه مهما اختلّ التوازن… فنحن ماضون، نرتّق يومنا بخيطٍ من الضحك وخيطٍ من التجاهل.
الفلاسفة العظام صاغوا نظريات عن العبث، عن اللاجدوى، عن التناقضات التي تحكم الكون. أما نحن فقد اختصرنا كل ذلك في كلمة واحدة… كلمة ليست إنكارًا، بل اعترافًا مهذّبًا بأن للواقع قوانين تخصّه، وأننا لسنا مستعدين دائمًا لمصارعته. حين يقف الإنسان أمام صعوباته، يحدّق فيها طويلًا، ثم يختار بلمسة سخرية أن يبتسم بدلًا من أن ينهار. هذا هو جوهر “ماعلينا”: ألا ننكر الألم… لكن نُؤجّل أن نسمح له بالانتصار.
قد تُقال حين نواجه خسارات صغيرة: تأجيل راتب، أو انقطاع ماء، أو فاتورة لا نفهم من أين أتت. وقد تُقال حين نواجه خسارات أكبر… أحلامًا شاخت قبل أن تولد، أو محاولات سقطت مثل عصفورٍ لم يتعلّم الطيران. ومع ذلك… تأتي “ماعلينا” كأنها تربّت على الكتف، وتهمس: استمر… فالحياة لا تتوقف لأجل أحد.
إنها ليست استسلامًا، بل طريقة رشيقة للنجاة، طريقة ابتكرها الناس حين اكتشفوا أن مواجهة الدنيا وجهًا لوجه قد تكون أحيانًا شجاعة غير لازمة.
في الحقيقة… “ماعلينا” ليست كلمة حزن. إنها كلمة ساخرة، تضحك على كل ما نُضخّمه نحن من غير داعٍ. كلمة تشبه رجلاً حكيمًا يسير في شارع مزدحم، ينظر إلى الفوضى من حوله ويقول: “يا ولدي… لو أخدنا كل ده على صدرنا، هنروح في داهية.” إنها روح مصر الحقيقية: ضحكٌ فوق المرارة، سخرية فوق الألم، وقلبٌ يعرف أن الله موجود وأن ما ضاع يعود… أو لا يعود، ماعلينا.
في نهاية الأمر، ليست الحياة ما يحدث لنا… بل ما نختار أن نحمله معنا وما نختار أن نتركه على جانب الطريق. نحن لا نملك أن نغيّر كل شيء، لكننا نملك فنًّا خاصًا… فنّ المشي بخفة، كأننا نتقن تمرينًا سريًا اسمه: “ارمها وراء ظهرك… وكمّل.”
وهكذا، حين تشتدّ الدنيا، وحين تتداخل الأصوات، وحين نصير كمن يسير في ممرّ طويل لا ضوء فيه… يأتي صوت داخلي، بسيط، مصري جدًا، يربّت على روحك ويقول: “ماعلينا… لسه في حكايات جاية.”
