بقلم خديجة ربيع “أسيرة القلم”
أعجب من عبدٍ أثقلته الابتلاءات، وجرب بالوجع مرة بعد أخرى، لكن قلبه مازال يُحسن.
يخشى الله في غضبه، ويشكر الله في ضعفه، ويرى في كل جرح رسالة، وفي كل ضيق بابًا مفتوحًا للرحمة، ذلك هو القلب الذي يعرف أن اللطف الإلهى لا يغيب مهما اشتد عليه البلاء.
أبصر ذاك الإنسان يُحسن اختيار الكلمة، ويُحسن الصبر والإلتماس والعذر..
هو يعلم أن البلاء لا يأتي ليهدمه؛ بل ليكشفه، ليعريه من زيفه، داخله يقين لا يتزحزح أن الله لا يبلتي ليعذَّب بل ليُطهر.
وقد جسد يوسف عليه السلام هذا المقام في أنقى صورة؛ جرح، وظلم، وابعد عن أبيه، ومع ذلك لم يجعل الابتلاء سببًا للغل ولا الحقد، بل سلم أمره لربه
ما أعظم الإحسان حين يخرج من قلب جُرح! فالإحسان في الابتلاء ليس كلمة تُقال، بل مقامٌ لا يبلغه إلا من زكت نفسه وطهرت سريرته. وحين نتأمل موقف يوسف عليه السلام مع إخوته، ندرك أن حقيقة الإحسان ليست في ردِّ الجميل، بل في ردِّ الأذى بالعفو، وفي مقابلة القسوة بالرحمة. يقف يوسف أمام من ظلموه، من ألقوه في غياهب الجبِّ ورموه صغيرًا بين مخالب الخوف، ثم يقول بكبرياء النقاء لا بكبرياء المنتصر: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ”. لم يقلها ضعفًا، بل قالها لأنه رأى بنور قلبه أن البلاء طريق للرفعة، وأن الألم باب لقدرٍ كتبه الله.
ثم يضيف بعمقٍ يهزُّ الروح: “إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ…”، وكأنه يرسم خريطة النجاة لكل قلب يتألم، ولكل عبدٍ يريد أن يُحسن رغم الجراح. يقول لهم: “دخل الشيطان بيني وبين إخوتي”، ليُعلِّمنا أن الشر ليس أصيلاً في قلوب البشر، وأن الحسد لحظة ضعف، وأن العداوة ليست نهاية الطريق. علّمنا أن نرى القَدَر قبل البشر، وأن نرى يد الله قبل يد المؤذي.
وهكذا… يظل يوسف مدرسةً في الإحسان، يذكّر كل مبتلًى أن الله لا يضيع صبر عبدٍ أحسن، ولا يخيب قلبًا شكر، وأن من جُرح ومن صبر ومن أحسن… سيرفعه الله حيث لا يتوقع، ويُلبسه من رحمته نورًا لا ينطفئ.
حين يتجلى الإحسان بملامح يوسف
971
