بقلم أحمد رشدي
في قلب العاصمة البريطانية، يحتضن غاليري تيل بجامعة مورلي معرضاً جديداً للفنان اللبناني نبيل أبو حمد، يحمل عنواناً بسيطاً في لفظه وعميقاً في دلالاته: «الحدود». معرض يضم تمثالاً وحيداً وست عشرة لوحة زيتية تتشابك معاً لتشكّل عملاً واحداً مترامياً، أشبه بصرخة طويلة تمتد على مساحة اللون والضوء، وتعود دائماً إلى الوجع الإنساني الذي يعرفه عالمنا العربي أكثر من سواه.
لوحات أبو حمد ليست مجرد ألوان على قماش، بل سياج يمتد أمام المتلقي، أسلاك شائكة تتلوى حول الوجوه والأقدام والأحلام. الإنسان في هذه الأعمال يتحول إلى حقيبة مشردة تتنقل بلا جذور، أو طائر عالق فوق الأسلاك، أو جسد غارق في الطين، لا يدري أين تبدأ خطواته ولا أين تنتهي. الحدود هنا ليست خطاً سياسياً فحسب، بل شقوق داخل الروح، مسافات متوترة بين الجسد وأعضائه، بين الأنا والآخر، بين الرجل والمرأة، وبين الإنسان وأرضه التي تُسلب منه يوماً بعد يوم.
كل لوحة تبدو كسطر جديد في رواية طويلة من التهجير والانفصال والاقتلاع. وجوه تتكدس في طوابير الألم، أجساد تحث الخطى نحو سراب فردوس تتخيّله على الجانب الآخر من العالم، قبل أن يبتلعها البحر ببروده ولا مبالاته. إنها سلسلة بشرية تبحث عن حياة لا تعرف شكلها، وتواصل النزف عند كل حد وسياج.
الفنان الذي تطارده هذه الحكايات، كما يقول، وجد نفسه يعود مراراً إلى رسم هذه السلسلة المرهقة من الفقد والمنفى. نبيل أبو حمد، المولود في يافا لأب لبناني وأم فلسطينية في زمن الانتداب البريطاني، لم ينقطع يوماً عن محاولته توثيق هذا الألم المتوارث. ستة معارض شخصية قدمها في بريطانيا، إلى جانب مسيرة حافلة افتتح خلالها غاليري «أرجيل» قبل ثلاثة عقود، مساهماً في تقديم أسماء لبنانية وعربية بارزة إلى جمهور الفن في لندن، من بول غيراغوسيان وصليبا الدويهي إلى عارف الريس وموسى طيبا وجمانة الحسيني. كما تولى إدارة الجانب الفني في مجلتي «الدستور» و«الحوادث» خلال سبعينات العاصمة البريطانية الصاخبة.
معرض «الحدود» ليس مجرد حدث فني، بل نافذة يطلّ منها المتلقي على عالم ينهشه التيه، ويرسمه أبو حمد بصدق من يعرف جيداً طعم المنفى ولون الأسلاك حين تخدش الذ
اكرة.
