د.نادي شلقامي
يُعدّ المستشار عدلي محمود منصور أحد أبرز الرموز القضائية في تاريخ مصر الحديث، حيث جمع بين النزاهة القانونية والمسؤولية الوطنية في لحظة فارقة من عمر الوطن. لم يكن رجل سياسة بالمعنى التقليدي، بل قاضٍ وجد نفسه أمام واجب تاريخي، فحمل الأمانة وقاد البلاد خلال مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، مسجّلًا اسمه في صفحات التاريخ المصري المعاصر.
أولًا… النشأة والبدايات
وُلد المستشار عدلي منصور في 23 ديسمبر 1945 بمحافظة القاهرة، ونشأ في أسرة مصرية بسيطة تولي التعليم والقيم الأخلاقية أهمية كبرى. ترعرع في بيئة محافظة غرست فيه مبادئ الانضباط، والالتزام، واحترام القانون، وهي السمات التي رافقته طوال مسيرته المهنية.
ثانيًا… حياته الدراسية من الطفولة حتى الثانوية
تلقى عدلي منصور تعليمه الأساسي في مدارس القاهرة، حيث عُرف بين زملائه بالتفوق الدراسي والالتزام السلوكي. وأظهر منذ الصغر ميولًا واضحة نحو المواد الأدبية والقانونية، ما جعله محط ثقة معلميه. أنهى دراسته الثانوية بتفوق أهّله للالتحاق بكلية الحقوق، التي كانت آنذاك حلمًا لكثير من المتفوقين.
ثالثًا… الحياة الجامعية والدراسات العليا
التحق المستشار عدلي منصور بـكلية الحقوق – جامعة القاهرة، إحدى أعرق كليات القانون في العالم العربي. وخلال سنوات دراسته الجامعية، تميز بالجدية والاجتهاد، وبرز اهتمامه العميق بالقانون الدستوري والإداري.
1-الليسانس: تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1967.
2-الدراسات العليا : لم يكتفِ بالليسانس، بل حصل على دبلومين في القانون العام والعلوم الإدارية من نفس الجامعة.
3-البعثة الخارجية: أُوفد في منحة دراسية إلى فرنسا عام 1970 للالتحاق بالمعهد الدولي للإدارة العامة بباريس، مما ثقل خبراته القانونية بالاحتجاج الدولي.
رابعاً…سلك القضاء… تدرج حكيم
بدأ المستشار عدلي منصور مسيرته المهنية في مجلس الدولة عام 1970، وتدرج في مناصبه بكل جدارة:
1- عمل عضواً بإدارات الفتوى والتشريع.
2- عُين مستشاراً بمجلس الدولة عام 1984.
3- انتدب للعمل كمستشار قانوني لعدة وزارات وجهات سيادية.
4- في عام 1992، انتقل للعمل بالمحكمة الدستورية العليا، وتدرج بها حتى أصبح رئيساً لها في يونيو 2013.
خامساً… رئاسة الجمهورية (مرحلة العبور)
— في 3 يوليو 2013، وفي أعقاب ثورة 30 يونيو، أدى المستشار عدلي منصور اليمين الدستورية رئيسًا مؤقتًا لجمهورية مصر العربية، بصفته رئيساً للمحكمة الدستورية العليا وفقاً لخارطة الطريق، ليقود البلاد خلال مرحلة انتقالية بالغة الحساسية.
وخلال فترة رئاسته:
1- أدار شؤون الدولة بحكمة وهدوء.
2- أصدر إعلانًا دستوريًا نظم المرحلة الانتقالية.
3- أشرف على إعداد دستور 2014.
4- مهّد الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
— أسلوبه : اتسم أسلوبه بالرزانة، والابتعاد عن الصراعات السياسية، والالتزام التام بدور رجل الدولة لا رجل السلطة.ورفض الترشح للرئاسة رغم المطالبات الشعبية، مؤكداً وفاءه لثوب القضاء.
سادسا…تكريم الدولة والرئيس السيسي له
نظير ما قدمه للوطن، نال المستشار عدلي منصور تكريمات استثنائية:
1- قلادة النيل: منحه الرئيس عبد الفتاح السيسي “قلادة النيل العظمى”، وهي أرفع وسام مصري، تقديراً لدوره الوطني التاريخي.
2- إطلاق اسمه على منشآت كبرى: تقديراً لجهوده، تم إطلاق اسمه على “محطة عدلي منصور التبادلية”، والتي تُعد أكبر محطة مترو وتنقُّل في الشرق الأوسط.
3- التقدير المعنوي: يظهر الرئيس السيسي له دائماً تقديراً خاصاً في كافة المحافل الرسمية، واصفاً إياه بـ “الرجل الذي تحمل المسؤولية في أصعب الظروف”.
يظل المستشار عدلي منصور مثالًا للقاضي الجليل ورجل الدولة الحكيم، الذي لم يسعَ إلى السلطة، لكنها جاءت إليه في لحظة تاريخية فاصلة، فحملها بأمانة وتركها بشرف. إن سيرته تمثل درسًا وطنيًا في الإخلاص، واحترام الدستور، وتغليب مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة مصر الحديثة.
