بقلم : أحمد رشدي
لم تكن رحلة عمل عادية بالنسبة لي رغم أنها حُجزت على القطار السريع الذي يتغنى به الجميع وكأنه معجزة هندسية متأخرة
أنا لا أحب القطارات
بل أتحاشاها كما يتحاشى المرء ذكرى سيئة يظن أن الزمن كفيل بدفنها ثم يكتشف أنها دفنت فيه هو
آخر مرة ركبت فيها قطارا كانت قبل أن ترحل هي…
وقتها كانت تضحك عبر الهاتف ضحكتها التي تبدأ خجولة ثم تتمرد فجأة وتملأ الدنيا
كانت في طريقها إلى الأقصر مع صديقاتها تحت إشراف الجامعة
ترددت قليلا
وشجعتها أنا
كنت مشغولا بالعمل كما يفعل الحمقى دائما حين يظنون أن العمل لا ينتظر
كانت تلك غلطتي الوحيدة
أو لنقل إنها الغلطة التي تكفلت بابتلاع كل ما بعدها
جاء الخبر كما تأتي النهايات السخيفة في أفلام الدرجة الثالثة
حادثة قطار
اسمها في قائمة الضحايا
صوت أمها المنكسر
نظرة أبيها التي لم تعد تنظر إلى شيء
زيارتي لها في مقبرة العائلة وأنا أشرح لها بسخف ما حدث في المكتب ذلك اليوم كأنها ستقاطعني وتصحح لي التفاصيل
منذ ذلك اليوم صرت شخصا آخر
أعمل كثيرا لأن العمل لا يسأل ولا يرحم
وأحب الوحدة لأنها لا تخون
عالَمي ما زال معها
أراها على أوراقي
في فنجان القهوة
على وسادتي
تبتسم تلك الابتسامة المليئة بالوداعة والمرح
وتنظر بعينيها الذكيتين كأنها تعرف أكثر مما ينبغي
أفقت من شرودي على صفير القطار
ذلك الصوت الذي يشبه صافرة إنذار طويلة متأخرة
بدأ القطار يتحرك
راقبت الرصيف يبتعد كما تبتعد الأشياء المهمة دائما
التفت أتأمل وجوه الركاب
عدد قليل
وجوه متشابهة
أدركت وقتها أنني منذ زمن لا أنظر في وجوه الناس
ربما لأنني أخشى أن أجد وجهها بينها
سرحت بخيالي كعادتي
ورأيتها
تسكن عيني كالمعتاد
ابتسمت
وفجأة
سمعت صوت فتيات يتنقلن بين العربات
ضحك عابر
ثم ذلك الصوت
صوتها
لا يخطئه قلب حفظه عن ظهر وجع
مرت بجانبي
لمحت وجهها بطرف عيني
تجمد الزمن
كذبت نفسي
هجم عليّ شريط طويل
العزاء
الصراخ
البكاء
انهيار والديها
زيارتي للمقبرة
قمت واقفا
لكن المجموعة اختفت
نهضت بين الحلم واليقظة
أتنقل من عربة إلى أخرى كمن يبحث عن عمره الضائع
وفي العربة الأخيرة وجدتها
كانت تجلس قرب النافذة
تنظر إلى الخارج
التفتت إليّ وابتسمت
نفس الابتسامة
قالت بهدوء
تأخرت
كعادتك
لم أسأل كيف ولماذا
بعض الأسئلة وقحة أكثر من اللازم
جلست
وتحدثنا
عن العمل
عن الوحدة
عن الخوف
قالت لي إن الحزن لا يعني الوفاء
وإن البقاء في محطة قديمة لا يعيد الراحلين
وإن القطارات لا تتوقف لأجل أحد
عندما أطلق القطار صفيره مرة أخرى
اختفت
وبقي المقعد فارغا
لكن الغريب أن صدري لم يعد مثقلا كما كان
عند وصولي
نزلت من القطار
نظرت إلى الناس
لأول مرة منذ سنوات
ورأيت الوجوه
فهمت أخيرا
أنها لم تعد تسكن القطار
ولا المقبرة
ولا ذاكرتي
بل صارت تسكن الطمأنينة
وتركت لي شيئا ثمينا
قدرة بسيطة على ا
لابتسام
وأن أواصل الرحلة
بعض الحب لا ينتهي
بل يتحول
إلى نور خفيف
يرشدك فقط
حتى لا تضل الطريق.
