بقلم: د.نادي شلقامي
لم تكن الدكتورة عبلة الكحلاوي مجرد داعيةٍ تعتلي المنابر، بل كانت حالةً من النور انسكبت في قلوب مريديها؛ فجمعت بين صرامة الفقيهة التي تزن الفتوى بميزان الذهب، وبين حنان الأم التي تحتضن أوجاع المنكسرين. هي “أيقونة العباءة البيضاء” التي لم تخرج للناس إلا لتُبشر لا لتُنفر، ولتُيسر لا لتُعسر. في ذكراها، لا نستدعي مجرد أرقام وتواريخ، بل نستحضر مدرسةً أخلاقيةً استثنائية، برهنت فيها أن صوت المرأة في الحق عورةٌ عن الباطل، وفريضةٌ في البناء، لتُصبح بابتسامتها الهادئة وصوتها الرخيم “جبر الخواطر” المتجسد في صورة إنسان.
أولا… النشأة والجذور: ابنة “مداح الرسول”
— الميلاد: ولدت في 15 ديسمبر 1948 بقلب القاهرة.
— البيئة: نشأت في بيت يفيض بالروحانيات، فهي ابنة الفنان والمداح الشهير محمد الكحلاوي، الذي ترك الشهرة والمجد الدنيوي ليتفرغ للمديح النبوي. تشربت منه حب آل البيت والزهد، وهو ما ظهر جلياً في ملامحها وطريقتها.
ثانيا… المسيرة الأكاديمية: العلم قبل العمل
لم تكتفِ بالثقافة العامة، بل سلكت طريق العلم الشرعي من أوسع أبوابه:
— الدراسة: التحقت بجامعة الأزهر الشريف وتخصصت في كلية الدراسات الإسلامية.
— الشهادات: حصلت على الماجستير عام 1974 في الفقه المقارن، ثم الدكتوراه عام 1978 في التخصص ذاته.
— التدرج الوظيفي: ترقت في المناصب الأكاديمية حتى أصبحت أستاذة للفقه المقارن، وشغلت منصب عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية (بنات) بجامعة الأزهر في بورسعيد والقاهرة.
ثالثا… العمل الدعوي: التدريس في صحن الكعبة
— الانطلاقة الكبرى: انتقلت إلى مكة المكرمة لسنوات، وهناك أُتيحت لها فرصة نادرة بتقديم دروس يومية في صحن الكعبة المشرفة (للسيدات) من عام 1987 إلى 1989.
— التأثير: كانت تستقبل سيدات من كل بقاع الأرض، مما أكسبها شهرة عربية وإسلامية واسعة.
— الإعلام: عادت لمصر وأصبحت من أبرز الوجوه الدعوية على الشاشات، وبرامجها مثل “في حب المصطفى” و”قلب طيب” كانت تدخل كل بيت بسبب خطابها الذي يركز على التسامح والرحمة.
رابعا… جمعية الباقيات الصالحات: الإرث الإنساني
لم يكن تدينها نظرياً، بل حولته إلى مؤسسة قائمة بذاتها:
— أسست جمعية “الباقيات الصالحات” بالمقطم، وهي واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في مصر.
— التخصص: تميزت الجمعية برعاية مرضى “ألزهايمر” (في دار أبي وأمي)، ورعاية الأطفال الأيتام ومرضى السرطان، بالإضافة إلى القوافل الطبية والمساعدات الاجتماعية.
— بنت مسجداً ومجمعاً طبياً وداراً للمسنين، لتكون ملاذاً لكل محتاج.
خامسا… الحياة الأسرية: الأم والزوجة
— تزوجت من اللواء مهندس محمد ياسين بسيوني (أحد أبطال حرب أكتوبر)، والذي كان داعماً كبيراً لمسيرتها حتى وفاته.
— أولادها: أنجبت ثلاث بنات هن (هايدي، مروة، ورود)، وجميعهن كن يظهرن بجانبها في العمل الخيري، خاصة ابنتها مروة التي استكملت مسيرة والدتها في إدارة الجمعية.
سادسا… الوفاة: الرحيل في زمن الوباء
— التاريخ: توفيت في 24 يناير 2021.
— السبب: رحلت عن عمر يناهز 72 عاماً إثر إصابتها بفيروس كورونا، بعد صراع مع المرض استلزم وضعها على جهاز التنفس الصناعي.
— الجنازة: شُيعت جنازتها من مسجدها بالمقطم في مشهد مهيب حضره المحبون والتلاميذ.
سابعا….ماذا تركت عبلة الكحلاوي؟
— مؤلفات علمية: تركت عشرات الكتب في الفقه والسيرة، أبرزها “بنوك الحليب”، “الخلع”، و”المرأة بين طهارة الباطن والظاهر”.
— منهجاً دعوياً: رسخت مفهوم “فقه الود” بدلاً من فقه الترهيب.
— مؤسسة مستمرة: “الباقيات الصالحات” التي لا تزال تعمل حتى اليوم كصدقة جارية.
وختاما…فإن د.عبلة الكحلاوي لم ترحل، فقد تركت خلفها ما لا تذروه الرياح ولا يطويه الموت. تركت في كل بيتٍ فتوى رحيمة، وفي كل زاوية من “الباقيات الصالحات” دعاءً من مسنٍ كان منسياً فاحتضنته، أو يتيمٍ مسحت على رأسه. لقد علمتنا “ماما عبلة” أن أصدق أنواع الدعاة هم أولئك الذين يحولون “آيات القرآن” إلى “واقعٍ يُعاش”، وأن المرأة المسلمة قادرة على أن تكون منارةً للعلم ومؤسسةً للخير ومصدراً للأمان. سيظل 24 يناير يوماً لتجديد العهد مع منهجها: “أن نعبد الله بالحب، ونخدم خلقه بالود”. رحم الله وجه الصلاح ولسان الفصاحة وسيدة القلوب.
