بقلم السيد عيد
في عام 2026، لا يعيش العالم أزمة اقتصادية تقليدية، بل يقف داخل حفلة صاخبة يقود موسيقاها رجل واحد: دونالد ترامب. زرٌّ يرفعه فتشتعل أسعار الذهب، وزرٌّ يخفضه فتهدأ الأساطيل، بينما تقف شعوب العالم أسفل مكبرات الصوت، تتلقى الصدمة تلو الأخرى، وتدفع الفاتورة.
ثمانية وثلاثون تريليون دولار… رقم لا يُحتمل
الديون الأمريكية بلغت 38 تريليون دولار، رقم يتجاوز ميزانيات دول مجتمعة، ويكفي وحده لإرباك أي اقتصاد في العالم. ترامب، بعقلية التاجر لا رجل الدولة، لم يفكر يومًا في سداد هذا الرقم من الداخل، بل آمن بفكرة أبسط وأخطر: لماذا تدفع أمريكا، ما دام العالم كله يمكن أن يدفع نيابة عنها؟
الخطة الأولى: جمع الفتات من الخارج
بدأت المحاولة بضغط مباشر على الحلفاء، وابتزاز سياسي واقتصادي تحت مسميات مختلفة، من الخليج إلى فنزويلا، مع نظرة طامعة إلى جرينلاند ومعادنها المدفونة تحت الجليد. نفط هنا، وصفقات هناك، لكنها في النهاية محاولات محدودة لا تقترب حتى من ظل رقم الديون الأمريكية.
الخطة الثانية: لعبة الذهب والضغط النفسي العالي
هنا بدأ اللعب الحقيقي. ترامب يدرك أن اسمه وحده كفيل بإثارة الذعر في الأسواق، فحوّل هذا الخوف إلى أداة مالية. يلمّح بضربة عسكرية لإيران، يحرك الأساطيل، يطلق تصريحًا ناريًا، فيرتعد العالم. البنوك المركزية تشتري الذهب، الأفراد يخزنون السبائك، والأسعار تقفز بلا منطق. ثم فجأة، يتراجع، يهدئ، ويعلن أن الأمر لا يتعدى إعادة تقييم. النتيجة واحدة: فقاعة سعرية ضخمة للذهب والمعادن.
لماذا الذهب تحديدًا؟
لأن الولايات المتحدة تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات الذهب في العالم، موروثًا من عقود كانت فيها العملة الأمريكية مرتبطة بالمعدن النفيس. رفع السعر صناعيًا، ثم بيع جزء من المخزون عند القمة، يعني سداد ديون بقيمة مرتفعة دون أن تدفع واشنطن من اقتصادها الحقيقي شيئًا يُذكر.
ضحايا السيرك الاقتصادي
زعماء العالم في المحافل الدولية يدركون خطورة ما يحدث، لكنهم عاجزون عن المواجهة. التلاعب بالأسعار يضرب ميزانياتهم واستقرارهم، غير أن الخوف من العقوبات أو من ردود الفعل غير المتوقعة يجعل الصمت هو الخيار الأسلم. المواطن الأمريكي يحصل على مسكنات مؤقتة: بنزين أرخص، فوائد أقل، قروض أسهل، لكنه يرى في الوقت نفسه قيمة الدولار تتآكل أمام الذهب. أما الأفراد في بقية العالم، فهم عالقون في دوامة يومية بين الدولار والذهب والفضة والنحاس، في محاولة يائسة للحفاظ على قيمة مدخراتهم وسط جنون غير مسبوق.
السؤال الكبير: هل تسكت الصين؟
الصين ترى المشهد كاملًا وتفهم تفاصيله، لكنها تدرك أيضًا أن كسر هيبة الدولار ضربة معقدة، فبكين واحدة من أكبر الدائنين لواشنطن. أي هجوم مباشر على الدولار قد يرتد عليها بخسائر فادحة. فكرة العملة الموحدة مع روسيا مطروحة، وتسويات التجارة بالعملات المحلية تتوسع، والذهب يعود إلى الواجهة في تحالفات مثل بريكس، لكن هذه ليست معركة أزرار، بل حرب نفس طويل. الصين لا تلعب دور الدي جي، بل لاعب الشطرنج.
الخاتمة: متى تنفجر الفقاعة؟
سيظل الذهب والمعادن يرقصون على إيقاع تصريحات وقرارات ترامب، إلى أن يصل إلى نقطة التشبع التي يريدها. عندها، إما أن يبيع ويجني المحصول، أو يقرر الدب الروسي والتنين الصيني قلب الطاولة. وحتى ذلك الحين، فإن أي حديث عن عرض وطلب هو تبسيط مخل، لأن السوق لا تحكمه قواعد الاقتصاد وحدها، بل مزاج رجل واحد يحاول إغلاق ميزانية بلاده من جيوب الكوكب كله.
