بقلم : أحمد رشدي
في عالم تتسارع فيه القسوة وتعلو فيه المصالح، يظل أصحاب القلوب الرحيمة علامة مضيئة لا تخطئها العين.
أولئك الذين يبادرون بالفهم قبل الحكم، وبالاحتواء قبل اللوم، وبالتسامح قبل المواجهة. غير أن هذه النعمة الإنسانية، حين تُساء قراءتها، قد تتحول من فضيلة سامية إلى عبء ثقيل ينهك صاحبها بصمت.
التعاطف في جوهره قوة أخلاقية راقية،
لكنه يصبح مرهقًا حين يُقابل بالجحود أو الاستغلال. فصاحب القلب الرحيم لا يرى الآخرين من زاوية نفعهم، بل من زاوية حاجتهم، ولهذا يُحمِّل نفسه ما لا يُطيق، ويبرر أخطاء غيره، ويتألم بدلًا عنهم، حتى يفقد القدرة على حماية ذاته.
وكم شخص رأيناه رحيماً متعاوناً خدومًا، حاضرًا وقت الحاجة، باسماً رغم التعب، يمنح من وقته وجهده ومشاعره دون حساب.
ثم، بعد فترة من الاستنزاف الصامت واستغلال الناس له، نجده قد انطفأ. لا لشيء إلا لأنه استُهلك إنسانيًا. ينسحب بهدوء، ينزوي بعيدًا عن الناس، يقل كلامه، ويتراجع حضوره، وكأن الروح التي كانت تشع دفئًا قد آثرت العزلة حمايةً لما تبقى منها.
علم النفس يصف هذه الحالة بـ«الإرهاق العاطفي»، حيث يستنزف الإنسان طاقته الشعورية في محاولة مستمرة لإنقاذ الآخرين، بينما يُهمل احتياجاته الداخلية.
ومع تكرار ذلك، تتحول الرحمة إلى استنزاف، ويصبح العطاء واجبًا مفروضًا لا اختيارًا كريمًا، ويبدأ الشعور الخفي بالخذلان، لا من الآخرين فقط، بل من الذات التي سمحت بهذا الاستنزاف.
لكن السؤال الأهم: كيف يسمح بعض الناس لأنفسهم باستغلال شخص رحيم؟ الإجابة تكمن في خلل أخلاقي قبل أن تكون سلوكيًا. فاستغلال اللطف ليس ذكاءً، بل ضعف في الضمير. ومن يعتاد الأخذ دون اعتبار لما يقدمه الآخر، يتعامل مع الرحمة وكأنها حق مكتسب، لا قيمة إنسانية تستوجب التقدير والاحترام.
في العلاقات الأسرية، قد تُستنزف الأم أو الأب أو أحد الأبناء الرحيمين، إذ يُلقى على عاتقهم العبء الأكبر لأنهم «لا يرفضون».
وفي العمل، يُكلف الموظف المتعاون فوق طاقته لأنه «لن يعترض».
أما في المجتمع، فيُطلب من صاحب القلب اللين دائمًا أن يتفهم، أن يتجاوز، أن يصمت، حتى يصبح هو وحده المطالب بالتضحية.
الدين لم يدعُ إلى الرحمة العمياء، بل إلى الرحمة العادلة. رحمة لا تُلغي العقل، ولا تُهمش الكرامة، ولا تُبيح الظلم باسم الطيبة. فالتعاطف الحقيقي لا يعني أن تسمح للآخر أن يؤذيك، ولا أن يتحول لطفك إلى ممر سهل للأنانية وسوء الاستغلال.
وقد نبه الحكماء إلى أن الرحمة بلا حدود تتحول إلى باب مفتوح للفوضى النفسية. فكما أن للعطاء جماله، فإن للحدود ضرورتها. والإنسان الرحيم حين يتعلم أن يقول «لا» في الوقت المناسب، لا يفقد إنسانيته، بل يحميها من التآكل.
إنهاك أصحاب القلوب الرحيمة ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة غياب التوازن. فالتعاطف حين يُمارس بوعي، يصبح مصدر قوة وسلام داخلي. أما حين يُترك دون ضوابط، فإنه ينهك الروح ويُطفئ وهج العطاء. الرحمة قيمة عظيمة، لكنها تزدهر فقط حين تُقابل بالاحترام، وتُمارس دون أن تُفقد صاحبها نفسه.
