بقلم : أحمد رشدى
في امتداد هذه السلسلة التي توقفت مع محاسبة النفس، والتحذير من الظلم، وفتحت أبواب الرجاء بالاستغفار، ثم أكدت بر الوالدين، وجبر الخواطر، وإتقان العمل، والصدق،
وحب الخير، واجتناب الخيانة، وفضل الصدقة، ومعنى الإيثار، وروح الرحمة، وصلة الرحم،
ثم يأتي الصبر بوصفه العمود الفقري لكل تلك الفضائل، والميزان الذي تُختبر به حقيقة الإيمان وقت الشدة قبل الرخاء، فليس الاستقامة كلمات تقال في أوقات السعة، بل ثبات قلبي حين تضيق الأسباب وتثقل الأعباء.
الصبر في الإسلام ليس استسلاما ولا ضعفا، بل قوة داخلية راقية تُمسك النفس عند الانكسار، وتضبطها عند الغضب، وتمنحها القدرة على مواصلة الطريق دون انحراف.
وقد جعل الله الصبر منزلة عظيمة فقال إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، فدل على أن أجره خارج عن مقاييس البشر، وأنه عبادة خفية لا يطلع على حقيقتها إلا الله.
وقال سبحانه وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، فأثبت أن الصبر ليس إنكارا للألم، بل وعيا بحقيقة الدنيا وتسليما لحكمة الله.
ومن أعظم ميادين الصبر صبر الإنسان على أذى الناس، صبره على الجار الذي يسيء، أو القريب الذي يخذل، أو الصديق الذي يثقل، أو الزوجة التي تختلف طباعها، فالتعايش الإنساني لا يستقيم بغير صبر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، فرفع منزلة من يصبر في ساحات الاحتكاك اليومي، لا من يهرب منها.
والصبر هنا ليس كبتا للغضب فقط، بل حسن إدارة للمشاعر، واختيار واعٍ للسلام الداخلي.
ومن الصبر كذلك الصبر على كبار السن ومطالبهم الكثيرة وتغير طباعهم وضعفهم،
وهو صبر ممزوج بالرحمة والبر، وقد جعل الإسلام هذا الباب من أعظم القربات، لأن فيه مجاهدة للنفس وتزكية للقلب.
كما أن الصبر على فقد الأحبة من أشق أنواع الصبر، حيث ينكسر القلب ويغيب السند، ومع ذلك يظل المؤمن متعلقا بوعد الله، مستحضرا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا،
ومن سخط فله السخط.
وتتنوع ابتلاءات الدنيا بين مرض وفقر وتعثر وفقد وظيفة وتقلب أحوال، وكلها ميادين امتحان، لا دلالة على غضب الله كما يظن البعض، بل قد تكون رفعة في الدرجات وتكفيرا للسيئات.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.
فالصبر ليس مرحلة مؤقتة بل أسلوب حياة متوازن بين الشكر والاحتمال.
ويرى العلماء أن الصبر نصف الإيمان، لأن الإيمان يقوم على شقين شكر وصبر،
ويرى علماء النفس أن الإنسان الصبور أقدر على تجاوز الصدمات وأقل عرضة للانهيار النفسي، لأن الصبر يمنح العقل وقتا للفهم والقلب مساحة للالتئام، وهو ما يلتقي مع الهدي القرآني الذي لم يدع إلى إنكار الألم، بل إلى احتوائه وتوجيهه.
استقيموا يرحمكم الله فإن الصبر لا يعني الرضا بالظلم ولا القبول بالخطأ، بل يعني الثبات حتى يأتي الفرج، والعمل دون يأس، والاحتساب دون شكوى جارحة.
ومن أراد أن يستقيم حقا فليتعلم الصبر في التفاصيل الصغيرة قبل المصائب الكبرى،
فبه تهدأ النفوس، وتثبت القلوب، ويكتب الله للعبد فوز الدنيا ونعيم الآخرة.
