د. نادي شلقامى
حين تبلغُ الحيرةُ تراقِيَ الروح، وتصطدمُ الآمالُ بجبالِ الواقعِ الصلدة، وينحبسُ الصوتُ في حنجرةِ اليأس؛ ينسكبُ البيانُ الإلهيُّ برداً وسلاماً ليُعيد صياغة الوجود: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}.
إنها ليست مُجرد آية، بل هي ’قانونُ الفجر‘ الذي يطوي ليلَ الانكسار، والشرارةُ التي تحرقُ أوراقَ المستحيلِ في محرابِ اليقين. هي إعلانٌ سماويٌّ بأنّ تدبيرَ اللهِ أوسعُ من ضيقِ عجزنا، وأنّ ما وراء الحُجبِ خبايا من اللطفِ لا تُدركها الأبصار، بل تبصرها القلوبُ الراضية.
في رحابِ هذا النص، لا نبحثُ عن تعزيةٍ باردة، بل نستنهضُ ’ثورة الثقة‘ بالله؛ نقتفي أثر الأنبياء الذين شقّوا بيقينهم رُكامَ العواصف، لنكتشف أنَّ المِحنة في عينِ المؤمنِ ليست إلا مَخاضاً لِمِنحةٍ أعظم، وأنَّ “الأمر” الذي ننتظره قد استوى على عرشِ التكوين، ولم يبقَ بيننا وبينه إلا ومضةُ صبرٍ ودعاء.
أولاً: تجليات “الأمر الإلهي” في محاريب الأنبياء
لقد تنزّلت روحُ هذه الآية في حيوات الأنبياء صبراً ويقيناً قبل أن تتنزل حروفها وحياً؛ فكانت سيرةُ كلِّ نبيٍّ منهم فصلاً في كتاب “المستحيل الذي انحنى أمام إرادة الله”.
لم تكن معجزاتهم مجرد خوارق، بل كانت تجسيداً لقوله تعالى {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}:
— يعقوب (عليه السلام).. يقينُ العواطف الثائرة: حين غاب يوسف، ثم سُلب منه بنيامين، وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، لم يكن بمقاييس الأرض إلا “شيخٌ مكلوم” ينتظر نهايته.
لكنه، ومن عمقِ النزيف، أطلقَ صرخة اليقين التي هزت أركان المستحيل: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}. لقد “أحدث الله أمراً” فلم يكتفِ بردّ يوسف، بل ردّه ملِكاً على خزائن الأرض، ليثبت أنَّ انتظار الفرجِ عبادة لا تليق إلا بالصادقين.
— زكريا (عليه السلام).. مناجاةُ المستحيل في خلوةِ الغيب: عندما يجتمع وَهنُ العظم، واشتعالُ الرأس شيباً، وعُقمُ الزوجة؛ تُغلقُ أبوابُ بيولوجيا البشر. لكن زكريا لم يطرق باب “السبب”، بل طرق باب “المسبّب”، فنادى ربه نداءً خفياً.
فكان “الأمر” الإلهي أسرع من خيال البشر: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}. ومن عقمِ الرحمِ وضيقِ السنّ، أخرج الله يحيى، ليعلّم العالم أنَّ القدرة الإلهية لا تعترف بقوانين المختبرات.
— موسى (عليه السلام).. هيبةُ المواجهة بين الحصارِ والانفلاق: وقف أمام البحر الذي لا يرحم، وخلفه فرعون وجيشه الذين لا يغفرون. تزلزلت قلوب مَن معه فقالوا: “إنا لمُدركون”، فجاء رده كزلزالٍ ينسفُ منطق الخوف: {كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.
في تلك اللحظة الحرجة، “أحدث الله أمراً” فصار الماءُ السيّال طوداً شامخاً كالجبل، ليثبت أنَّ طريق النجاة يُشق بكلمة “يقين” قبل أن يُشق بالعصا.
— يونس (عليه السلام).. نورُ التوحيد في سجونِ الظلمات: في جوف الحوت، حيث الظلمةُ مُطبقة، والموتُ حتمي، والهروبُ معدوم؛ لم يتوسل يونس بالأسباب، بل فزع إلى التوحيد: {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
فجاء “الأمر” من فوق سبع سماوات، ليتحول العدو المفترس (الحوت) إلى مركبٍ أمين ينقله إلى الشاطئ، مؤكداً أنَّ العبد إذا انقطعت به حبال الأرض، وصله الله بحبل السماء.
ثانياً: فلسفة اليقين بين “محراب الثقة” و”ميدان السعي”
في قصة نبي الله إبراهيم وأمنا هاجر (عليهما السلام)، تتجلى أسمى معاني الاستسلام للقدر مع استنفاد الأسباب؛ فخلف الجبال الصماء، وفي وادٍ قفرٍ لا نبض فيه ولا ماء، لم تهرع هاجرُ للعويل، بل سكنت لحقيقةٍ إيمانيةٍ كبرى، حين سألت سؤال العارفين: “آلله أمرك بهذا؟”، فلما جاءها الجواب بالإيجاب، نطقت بجملةٍ صارت دستوراً لليقين عبر الأجيال: “إذن لا يضيعنا”.
— الإعجاز الرباني: لقد “أحدث الله أمراً” خرق نواميس الطبيعة؛ فما نزل الفرج من سحابٍ ممطر، بل انفجر عيناً من صميم الصخر الصلد، ومن تحت أقدام رضيعٍ واهن، ليعلمنا أن الفرج قد يكمن في موضع الضعف لا في مظان القوة.
فلسفة السعي: علمتنا هاجر أن اليقين لا يعني الخمول، بل هو هرولة الروح بين “الصفا والمروة”؛ فبينما كانت أقدامها تضرب الأرض سعياً، كان قلبها يطرق أبواب السماء ثقةً، فجاءها الغوثُ من حيث لا تحتسب، وبقي “زمزمُ” آيةً جاريةً تروي ظمأ التاريخ، وتُذكّر كل مؤمن بأنَّ “الله لا يضيع أهله”.
ثالثاً…. في مدرسة النبوة.. نبضُ اليقين وسط العواصف
لم يكن النبي ﷺ يسكبُ الكلمات في آذان أصحابه، بل كان يغرسُ الأمل في أرواحهم كحقائقَ كونيّة، مستنداً إلى الوعد القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ومن رَحِم الشدائد استلَّ ﷺ سيوفَ اليقين:
— في الغار: حين أطبقَ الخوفُ الآفاق، وقال الصديقُ بلسانِ البشر: “لو نظر أحدهم تحت قدمينا لرآنا”، نطق ﷺ بلسانِ الملكوت، فزلزلَ أركان الشك بقوله: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟”. إنه اليقينُ الذي جعل من شباك العنكبوت حصناً أعتى من القلاع.
في الخندق: والبردُ قارص، والجوعُ ينهشُ الأجساد، والأحزابُ قد أحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم؛ كان ﷺ يضرب الصخرة فتتطاير منها شراراتُ الفتح، ويبشرهم بكنوز كسرى وقيصر. في تلك اللحظة، كان الله “يحدث أمراً” يعيد تشكيل خارطة التاريخ من تحت ركام المعاناة.
رابعاً….مرافئ الصالحين.. الرضا بمواقع القدر
فقه السلفُ الصالح أنَّ قدر الله غيبٌ مُبطّنٌ بالرحمة، فتعاملوا مع “المنع” كأنه “عين العطاء”، ومع “تأخر الفرج” كأنه “إعدادٌ لنصرٍ أعظم”:
الفاروق عمر: جسّد عبقرية الرضا حين قال: “ما أصابتني مصيبة إلا وحمدت الله عليها لأربع…”؛ فالمصيبة عنده لم تكن ضياعاً، بل كانت امتحاناً للرضا، وفرصةً لثوابٍ لا ينفد.
الحسن البصري: كان يرى في الاستغفار “مفتاحاً” لا يلين، وبوابةً مشرعةً لـ “أمر الله” القادم الذي يغسلُ ضيق النفوس بحسنات الظن.
الفضيل بن عياض: لخص فلسفة الاستغناء عن الخلق بقوله: “والله لو يئست من الخلق حتى لا ترجو منهم شيئاً لأعطاك مولاك كل ما تريد”، ليعلمنا أنَّ اليقين يبدأ من حيث تنتهي حدود البشر.
خامساً….”لعلّ” الربانية.. فلسفةُ الانتظار الجميل
كلمة “لعل” في القاموس الإلهي ليست “احتمالاً”، بل هي “حتميةُ وقوع”؛ فهي تُعلم المؤمن “أدب الوقوف على الباب” من خلال:
تجديد الثقة: الإيمان بأنَّ الله لا يطوي صفحةً بحكمته إلا ليفتحَ كتاباً برحمته، وأنَّ الإغلاق ليس دائماً للنهاية، بل هو إعادة توجيه نحو الأجمل.
الاستسلام للتدبير: نحن أسرى “اللحظة” وظاهر البلاء، بينما الخالقُ يديرُ “الأزل” وباطن العطاء؛ فكم من محنةٍ كانت في حقيقتها “سفينة نوح” التي أنقذت صاحبها من غرقٍ محقق.
إبطالُ السيادة لليأس: اليأسُ في عرف المؤمن انتحارٌ روحي، واليقينُ بالقدرة الإلهية يعني أنَّ المستحيل كلمةٌ لا توجد في قاموس مَن أمره بين “الكاف والنون”.
تاج اليقين ومسك الختام
يا مَن تبيتُ وتُصبحُ تحت وطأةِ ’لعلَّ‘، اعلم أنَّ اللهَ لا يضعُ في قلبِك يقيناً لِيَخذله، ولا يُلهمُك صبراً لِيُضيعه. إنَّ هذه الآيةَ ليست مُسكِّناً عابراً للألم، بل هي ’ميثاقُ الفرج‘ المبرم بين العبدِ وربِّه؛ فالعُسرُ مهما تمادى، والضيقُ مهما استطال، ليس إلا انحساراً للمدِّ ليعودَ الفرجُ بطوفانٍ من العطاءِ يَجرفُ معه كلَّ أحزانِ الماضي.
أيها المكلومُ خلف جدرانِ الصمت: لا تَقِسْ تدبيرَ اللهِ بمقاييسِ عجزك، ولا تظنَّ أنَّ تأخُّرَ الإجابةِ نسيان، بل هو ’صناعةٌ على عينِ الله‘ لِقَدَرٍ يليقُ بجميلِ صَبرك. فاصمد بقلبٍ ملؤُه الرضا، وتنفّس عبيرَ اليقين، واجعل من {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} ترنيمةَ رُوحِك وسرَّ ثباتِك.
نم قريرَ العينِ بفيءِ الله، واترك زمامَ الأيامِ لِمَن يُسيّرُ الأفلاك، فما هي إلا غمةٌ وتنجلي، ولحظةٌ ويأذنُ الفجر، وإذا بـ ’الأمر‘ الإلهيِّ يُزهرُ في صحراءِ حياتك ربيعاً لم تحلم به قط. فسبحانَ مَن يُخفي لُطفَهُ في أقدارِه، ويجبرُ القلوبَ بعظيمِ جودِه، وكفى باللهِ وكيلاً، وكفى به نَصيراً.