بقلم د.نادي شلقامي
— بين ومضات الروح وصخب المادة
بين ومضات الروح الخالدة، وزحام المادة الفانية، يقف الإنسان على مفترق طرق لا يخطئه إلا من فقد بوصلته الوجودية. إنه الكائن الوحيد الذي يُولد مرتين: مرة بالجسد حين يرى النور، ومرة بالوعي حين يرى الحق. وفي هذه الولادة الثانية يكمن سر الارتقاء الأبدي.
حين يتأمل المرء في خلايا جسده التي تتبدل كل سبع سنوات، يدرك أن التجدد سنة كونية، فكيف لا يتجدد بالعلم الذي ينير العقل، وبالإيمان الذي يزكي النفس؟! إنه السعي الذي رسمه الخالق جل وعلا في كتابه العزيز: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} [النجم: 39]، فالإنسان ليس مجرد كائن يعيش، بل هو مسافر في طريق الارتقاء، يجمع بين نور الإيمان الذي يضيء الدرب، وعصا العلم الذي يعين على السير.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: “ليس العلم ما حُفظ، إنما العلم ما نفع”، فالعلم بغير إيمان آلة جبارة بلا سائق، والإيمان بغير علم سراج ضعيف في ليل دامس.
في هذا التقرير، لا نبحث عن رفاهية فردية عابرة، بل نستجلي معالم مشروع نهضوي شامل، يبدأ من أغوار النفس البشرية، ليصل إلى آفاق المجتمع والدولة، متسلحين بقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]، فنجمع بين قراءة الكون (العلم) وقراءة النفس (الإيمان)، لنصنع معاً إنساناً متكاملاً، قادراً على مواجهة عواصف الحياة بثبات المؤمن وعقلية العالم.
— رحلة الكمال بين الأرض والسماء
أولاً.. مفهوم الارتقاء بالذات في الإسلام..
( الأساس الديني)
— الارتقاء بالذات في الإسلام ليس مجرد تنمية مهارات أو تطوير قدرات، بل هو عملية تطهير للنفس وتزكية لها، تستند إلى قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]، فجعل الفلاح كل الفلاح في تنقية النفس وتنميتها.
— وفي السنة النبوية، يقول الرسول ﷺ: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف” (رواه مسلم)، مؤكداً أن القوة المطلوبة تشمل القوة الجسدية والعقلية والروحية معاً.
— من منظور علم الاجتماع، يرى إميل دوركهايم أن التطور الفردي يرتبط عضوياً بالاندماج الاجتماعي، حيث يساهم الإيمان في بناء روابط مجتمعية قوية تمنع الاغتراب والتفكك.
— أما علم النفس، ففي هرم ماسلو الشهير، يأتي الارتقاء الذاتي (Self-Actualization) كقمة هرم الحاجات الإنسانية، حيث يتحقق الإنسان ذاته من خلال تحقيق إمكانياته الكاملة، مدعماً بالإيمان كمصدر أسمى للمعنى والغاية.
ثانياً…. الارتقاء بالذات في التراث الإسلامي..
( من رياضة النفس إلى سياسة الأمة)
— لم يكن الحديث عن تزكية النفس في تراثنا الإسلامي مجرد مواعظ وعظية عابرة، بل كان علماً قائماً بذاته، عُرف بـ “علم السلوك” أو “علم التصوف” في إطاره الشرعي الأصيل. يقول الإمام أبو حامد الغزالي في موسوعته إحياء علوم الدين: “من لم يهذّب نفسه بالعلم، أفسدها الجهل؛ ومن لم يزكها بالعمل، أوبقها الهوى”.
— وقد وضع علماء الإسلام منهجاً متكاملاً للارتقاء يقوم على ثلاث مراتب متتابعة:
1- التخلية: أي تخليص النفس من الأخلاق الذميمة (كالحسد والكبر والغل والحقد)، وهذا ما يسميه علم النفس المعاصر “التخلص من السموم النفسية” و”إعادة البرمجة العقلية”.
2- التحلية: أي تحلية النفس بالأخلاق الفاضلة (كالصبر والشكر والتواضع والرحمة)، وهذا يماثل في علم النفس الحديث “بناء الذكاء العاطفي” وتنمية “المهارات الناعمة”.
3- التجلية: أي انكشاف الحقائق للبصيرة، فتدرك النفس معاني الوجود وحكم الله في الخلق، وهذا ما يسميه الفلاسفة “الحكمة” وما يسميه علماء النفس “اليقظة العقلية” (Mindfulness).
— هذا المنهج الرباني يجعل الإنسان يرقى من “الملكية” (مرحلة التملك والجمع والتكالب على الدنيا) إلى “الملكانية” (مرحلة العطاء والسخاء والجود بالعلم والمال والجهد)، كما قال النبي ﷺ: “أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر”، فها هو يقرن الجهاد مع النفس (الشح) بالعمل الإيجابي (الصدقة)، ليرسي قاعدة ذهبية: أن الارتقاء الحقيقي يبدأ من جهاد الهوى، وينتهي ببذل العطاء.
ثالثاً…دور الإيمان المحوري..
( شمس لا تغيب في سماء النفس)
— الإيمان في رحلة الارتقاء هو الشمس التي لا تغيب، يبعث في النفس الدفء، ويكشف لها الطريق في أحلك الظروف. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} [النساء: 136]، وهذا نداء للتجديد المستمر للإيمان، لأنه ليس حالة جامدة، بل عملية ديناميكية متجددة.
— وفي الحديث النبوي: “الإيمان يزيد وينقص” (رواه الطبراني)، يزيد بالطاعة والعلم، وينقص بالغفلة والمعصية.
— من الناحية النفسية، تؤكد نظرية الذكاء الروحي (Spiritual Intelligence) لداناه زوهار أن الإيمان يعزز قدرة الإنسان على مواجهة الأزمات الوجودية، ويبني المرونة النفسية (Resilience) التي تمكنه من النهوض بعد كل سقوط. اجتماعياً، يرى بيتر بيرغر في كتابه “الواقع الاجتماعي للدين” أن الإيمان يوفر إطاراً معنوياً يساعد الفرد على التكيف مع التغيرات الاجتماعية المتسارعة، ويمنحه شعوراً بالانتماء إلى جماعة تؤمن بنفس القيم.
رابعاً…دور العلم المحوري..
(عين العقل التي يرى بها بواطن الأشياء)
— العلم في رحلة الارتقاء هو عين العقل التي يرى بها الإنسان بواطن الأشياء، وبصيرة القلب التي يميز بها النافع من الضار. أول كلمة نزلت في القرآن كانت: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، فجعلت القراءة والتعلم بوابة المعرفة وأساس التكليف. وفي السنة: “طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة” (رواه ابن ماجه)، مما يرقى بالعلم من كونه خياراً إلى كونه واجباً دينياً.
— نفسياً، تؤكد نظرية التدفق (Flow Theory) لميهالي تشيكسنتميهالي أن التعلم والانغماس في المعرفة يولد حالة من التركيز والسعادة القصوى، مما يعزز التنمية الذاتية ويحقق الرفاهية النفسية. — اجتماعياً، يرى بيير بورديو أن العلم يبني “رأس المال الثقافي” الذي يمكن الفرد من الاندماج الإيجابي في المجتمع والمساهمة في تطوره.
خامساً.. التكامل بين العلم والإيمان..
( الطريق المتوازن إلى الكمال)
— العلم شاهد صدق على الإيمان، والإيمان عمق العلم ومعناه، فكيف يتناقضان وهما توأمان روحانيان؟! التكامل بينهما ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية.
— العلم يقدم “الكيف” (How)، أي الآلية التي تعمل بها الأشياء والقوانين التي تحكم الكون، بينما يقدم الإيمان “اللماذا” (Why)، أي الهدف النهائي من الوجود والغاية الأسمى من الحياة.
— العالم بلا إيمان كسيارة بلا وجهة تسير بسرعة جنونية لا تدري أين تذهب، والمؤمن بلا علم كسائر بلا وسيلة يتمنى الوصول وهو واقف مكانه. في تجارب الحياة اليومية، نرى كيف أن التأمل العلمي في خلق الله يزيد الإيمان يقيناً، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، فأولو الألباب (العلماء المتعمقون في الفهم) هم الذين يزدادون إيماناً ويقيناً كلما ازدادوا علماً.
— وفي المقابل، الإيمان الصادق يدفع إلى العلم ويحفز عليه، فمن يعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الكون له خالق حكيم، ومسخر للإنسان، فإنه يسعى بكليته لكشف سنن هذا الخالق في الكون وتسخيرها لخدمة البشرية.
–وهذا هو الدافع الحقيقي الذي حرك علماء الطبيعة المسلمين الأوائل كابن الهيثم في البصريات، وابن سينا في الطب، والخوارزمي في الرياضيات، والبيروني في الفلك.
سادساً…الجوانب النفسية والاجتماعية..
( المرونة والاندماج)
1- نفسياً: يساهم الإيمان في بناء المرونة النفسية (Psychological Resilience) التي تجعل الإنسان كالنخلة، تشتد عوداً كلما هبت عليها الرياح. دراسة نشرت في Springer عام 2025 عن الدين والمرونة المعرفية أكدت أن الإيمان يساعد في التعامل مع التشوهات المعرفية والضغوط الحياتية من خلال إعادة صياغة الأحداث في سياقها الإيماني الأوسع (الحكمة الإلهية، الابتلاء، الأجر، الثواب).
2- اجتماعياً: يعزز العلم والتكامل المعرفي الاندماج الاجتماعي الإيجابي. فنظرية رأس المال الاجتماعي لبورديو تؤكد أن الشبكات الاجتماعية القائمة على الثقة المتبادلة (التي يعززها الإيمان المشترك) تساهم في بناء مجتمعات متماسكة ومنتجة.
سابعاً…مردود التأثير الإيجابي على الفرد
— يبدأ مردود الارتقاء بالذات من الفرد نفسه، حيث يحقق توازناً نفسياً وروحياً يعكس قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]، فالفلاح الحقيقي هو ثمرة التزكية.
— في السنة النبوية، يقول الرسول ﷺ: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (رواه البخاري)، مشيراً إلى أن التنمية الذاتية الأصيلة تحول الفرد إلى مصدر سلام وأمان لمن حوله.
الفوائد النفسية للفرد:
1- الوعي الذاتي: يدرك الفرد نقاط قوته وضعفه، فيستثمر الأولى ويعالج الثانية.
2- الثقة بالنفس: تتولد من الإيمان بالقدرات الذاتية المدعومة بالتوكل على الله.
3- المهارات الناعمة: يتقن التواصل الفعال والتعاطف مع الآخرين وحل المشكلات.
4- الإبداع والابتكار: تتحرر طاقاته الإبدائية حين يطمئن قلبه بالإيمان وينفتح عقله بالعلم.
5- الصحة النفسية: تنخفض معدلات القلق والاكتئاب، وتزيد جودة الحياة والرضا عنها.
ثامناً….مردود التأثير الإيجابي على المجتمع
— يمتد تأثير الارتقاء بالذات ليشمل المجتمع كله، فيبني روابط أقوى ويقلل النزاعات ويزيد التماسك. يستلهم ذلك من قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، فالتعاون الإيجابي ثمرة طبيعية للأفراد المتزكين.
— في الحديث النبوي: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه مسلم)، وهذه صورة بلاغية بديعة تجسد الترابط العضوي للمجتمع المؤمن، حيث ينعكس نمو كل فرد على صحة المجتمع ككل.
الفوائد الاجتماعية:
1- المشاركة المدنية: الأفراد المتطورون ذاتياً هم الأكثر مشاركة في العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية.
2- انخفاض الجريمة: المجتمعات التي ينتشر فيها الأمن النفسي والروحي تقل فيها معدلات العنف والجريمة.
3- الابتكار المجتمعي: تزدهر الأفكار الإبداعية والمبادرات الريادية في بيئة تسودها الثقة والتعاون.
4- التماسك الأسري: العلاقات الأسرية تصبح أكثر دفئاً واستقراراً عندما يكون أفرادها في رحلة تطور ذاتي مستمر.
تاسعاً… مردود التأثير الإيجابي على الدولة
–على المستوى الكلي، يترجم الارتقاء الذاتي للأفراد إلى تقدم اقتصادي واجتماعي وسياسي للدولة. يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وهذه سنة كونية وقانون إلهي لا يتخلف: تغيير الأفراد لأنفسهم شرط أساسي لتغيير واقع الأمة.
— الرسول ﷺ يقول: “إذا أراد الله بقوم خيراً جعل فيهم الرفق” (رواه أحمد)، مشيراً إلى أن النمو الشخصي للأفراد (ومن صفاته الرفق) يؤدي إلى سياسات أكثر حكمة وعدالة وإنسانية.
الفوائد على مستوى الدولة:
1- قوى عاملة كفؤة: مواطنون منتجون ومبدعون وقادرون على المنافسة العالمية.
2- نمو اقتصادي مستدام: الاقتصاد القائم على المعرفة والإبداع هو الأكثر استدامة في القرن الحادي والعشرين.
3- استقرار سياسي: المجتمعات المتماسكة التي ينتشر فيها العدل والرفق أقل عرضة للاضطرابات والصراعات.
4- مكانة دولية: الدول التي تستثمر في تنمية مواطنيها تصبح نماذج يُحتذى بها، وقوى ناعمة مؤثرة في المحافل الدولية.
5- انخفاض تكاليف الرعاية الصحية والاجتماعية: المواطنون الأصحاء نفسياً وروحياً هم الأقل استهلاكاً لخدمات الصحة النفسية والضمان الاجتماعي.
— الإنسان جوهرة الوجود
وفي ختام هذه الرحلة المباركة بين السماء والأرض، بين ومضات الروح وصراعات العقل، نعود إلى نقطة البداية ذاتها: الإنسان. إنه جوهرة الوجود، لكنها جوهرة لا تلمع ولا تبرق إلا بالصقل الدؤوب. صقلها بالعلم النافع الذي ينير العقل، وبالإيمان الصادق الذي يزكي النفس، وبالعمل الصالح الذي يعمر الأرض.
لقد رأينا كيف أن النفس الواحدة إذا صلحت، صلح بها مجتمع بكامله، وإذا فسدت، فسد بها عالم بأكمله. إن مشروع النهضة الحقيقية لأي أمة لا يبدأ بوزارات التخطيط وحدها، ولا بلجان الاقتصاد فقط، بل يبدأ بخلوة صادقة يتأمل فيها المرء حاله مع خالقه، وبكتاب نافع ينمي به عقله ويفتح به آفاقه، وبيد دافئة تمتد بالعطاء والخير لأخيها الإنسان.
قال النبي ﷺ: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً” (رواه الترمذي)، فجعل كمال الإيمان مرهوناً بحسن الخلق مع الناس، دليلاً قاطعاً على أن الارتقاء الشخصي لا يمكن أن ينعزل عن خدمة المجتمع والبذل للغير. إنه توأمان لا ينفصلان: تزكية للنفس، وعمارة للأرض.
فلنجعل من أنفسنا أيقونات حية لهذا التكامل المبارك بين العلم والإيمان، حتى نكون كما وصفنا ربنا في محكم تنزيله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]. بالعلم ننير العقول، وبالإيمان نزكي النفوس، وبالعمل نبني المستقبل.
إنها دعوة صادقة للعمل، للإخلاص فيه، للعلم النافع، للإيمان العميق، ففي هذا المزيج الفريد خلاص الفرد والفردوس، ونجاح الأمة في الدنيا قبل الآخرة، وفيها تحقيق الوعد الإلهي بالفلاح الأبدي: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} [الأعلى: 14-15].
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
